تشهد أسواق اللاذقية وطرطوس في الآونة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المتة، المشروب الشعبي الذي يحتل مكانة خاصة في حياة أبناء الساحل السوري، حتى بات جزءاً من طقوسهم اليومية لا تقل أهمية عن الشاي والقهوة، وهذا الارتفاع الجديد يأتي ليضاف إلى سلسلة الغلاء التي تطال مختلف السلع الأساسية، في ظل تبريرات متكررة من قبل التجار، الذين يعزون السبب إلى ارتفاع سعر الصرف وكون المتة مستوردة بالكامل من الخارج.
تُعد المتة أكثر من مجرد مشروب، فهي طقس اجتماعي متجذر في الحياة الساحلية. في جبلة وبانياس واللاذقية وطرطوس، تجتمع العائلات والأصدقاء حول “الكأس والبومبا” في جلسات طويلة تعكس دفء العلاقات وروح المشاركة، وقد توسعت شعبية المتة في السنوات الأخيرة لتشمل مناطق أخرى من البلاد، حتى أصبحت عادة يومية لا يمكن الاستغناء عنها.
ورغم كونها مشروباً مفضلاً لدى كثيرين، إلا أن للمتة أيضاً فوائد صحية متعددة؛ فهي تساعد على تحسين التركيز وتنشيط الجهاز العصبي، وتساهم في عملية الهضم، وتعد مدراً طبيعياً للبول، كما تساعد في تخفيف آلام الأعصاب والاكتئاب والوهن بفضل احتوائها على فيتامينات ومضادات أكسدة، ومع ذلك، فإن الإفراط في تناولها بسبب محتواها من الكافيين قد يسبب توترًا وأرقًا وبعض الآثار الجانبية.
خلال الأسابيع الماضية، شهدت الأسواق الساحلية في جبلة وبانياس والقدموس والحفة واللاذقية وطرطوس انقطاعاً ملحوظاً في مادة المتة، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وأوضح عدد من الأهالي أنهم اضطروا إلى تقليل استهلاكهم اليومي نتيجة هذا النقص، في حين يتهم آخرون بعض التجار باحتكار المادة والتلاعب بأسعارها عبر حجبها عن الأسواق لفترات طويلة ثم إعادة طرحها بأسعار مضاعفة.
وقد شهدت الأسواق فعلاً قفزات مفاجئة في الأسعار، حيث تضاعف سعر العلبة خلال أيام معدودة، في ظل غياب رقابة فعالة على عمليات البيع والتوزيع.
أوراق الأعشاب بدل المتة
مع تفاقم الأزمة، لجأ بعض سكان ريف اللاذقية وريف طرطوس إلى تحضير خلطات عشبية بديلة عن المتة، في محاولة للتأقلم مع الغلاء، تتكون هذه الخلطة من أوراق الريحان والزيتون والزوفا والبابونج والبطم، وهي متوفرة بكثرة في المناطق الجبلية، كما تتميز بأنها أكثر فائدة للجسم وأوفر سعراً.
وتُحضَّر هذه الخلطة بطريقة مشابهة للمتة التقليدية، إذ يتم قطف الأوراق وتجفيفها تحت أشعة الشمس ثم طحنها حتى تصبح ناعمة، وتُشرب مع الماء الساخن بنفس الطريقة المعتادة، بالنسبة لكثيرين أصبحت هذه الخلطة رمزاً للمقاومة المعيشية أمام الغلاء المستمر، ومحاولة للحفاظ على طقسهم اليومي رغم ضيق الحال.
يربط التجار والموردون ارتفاع أسعار المتة بعدة عوامل، أبرزها زيادة تكاليف النقل من بلد المنشأ إلى سوريا، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود محلياً، سواء البنزين أو المازوت، ما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل الداخلي وتوزيع البضائع.
كما أن تقلبات سعر الصرف تساهم في اضطراب الأسعار بشكل شبه يومي، وسط غياب آليات رقابية فعالة تحد من جشع بعض المستوردين والتجار.
لم يقتصر الغلاء على المتة، إذ تشهد الأسواق الساحلية عموماً ارتفاعات مستمرة في أسعار مختلف السلع والمواد الأساسية، بالتزامن مع تطبيق قرارات رفع الدعم الحكومي عن شرائح واسعة من المواطنين، وتأخر أو انقطاع رواتب بعض الموظفين.
في المقابل، تتراجع القدرة الشرائية للمواطن بشكل حاد، نتيجة ضعف الليرة السورية أمام الدولار وغياب فرص العمل الكافية، ما يجعل من تأمين الاحتياجات اليومية تحدياً حقيقياً لكثير من الأسر.
المتة في المقاهي… رفاهية مكلفة
رغم الارتفاع الكبير في سعر المتة المنزلي، لا تزال المقاهي الشعبية في مدن الساحل السوري تحتفظ بإقبال واسع من الزبائن، خصوصاً أن مشروب المتة يُعد رمز الجلسات الطويلة والأحاديث الودية بين الأصدقاء.
إلا أن المفارقة المثيرة هي ارتفاع سعر كأس المتة في المقاهي إلى حدود 3000 – 4000 ليرة سورية، أي ما يعادل سعر علبة متة كاملة تكفي لإعداد أكثر من عشر كؤوس منزلية.
ووفقاً لزهير الصارم، أحد العاملين في مقهى معروف بمدينة طرطوس، فإن وسطي الطلبيات اليومية لمشروب المتة يصل إلى نحو 100 كأس، ما يدر على المقهى بين 30 و40 ألف ليرة يومياً من هذا المشروب وحده.
اللافت أن لجنة مراقبة الأسعار حدّدت أجور الخدمات المقدمة في المقاهي للمشروبات الأخرى مثل الشاي والقهوة والميلو والزهورات والكابتشينو والأراجيل، لكنها استثنت المتة من التسعيرة الموحدة، تاركة تحديد سعرها لأصحاب المقاهي أنفسهم.
وبالتالي، فإن ما يهم مديريات التموين خلال جولات الرقابة ليس قيمة السعر نفسه، بل وجود لائحة أسعار معلنة في المقهى. أما تحديد التسعيرة الفعلية، فهو أمر متروك لتقدير أصحاب المنشأة، وهو ما أدى إلى تفاوت كبير في الأسعار من مكان إلى آخر، وسط غياب ضوابط واضحة تحمي المستهلك.
تظل المتة، رغم الغلاء والاحتكار والأزمات الاقتصادية، رمزاً من رموز الحياة الساحلية السورية، ومشروباً يحمل في طياته معاني الاجتماع والأنس والدفء. لكن ارتفاع أسعارها المتواصل جعلها تتحول من عادة يومية بسيطة إلى عبء اقتصادي إضافي يثقل كاهل المواطنين.
وبين تبريرات التجار وصمت الجهات الرقابية، تبقى المتة اليوم مرآة تعكس واقع الغلاء في البلاد، ومعاناة الناس الذين يحاولون التمسك بعاداتهم رغم الضيق والعوز. فالمتة بالنسبة لأبناء الساحل ليست مجرد مشروب، بل طقس من الهوية والانتماء، يقاوم الغلاء مثلما يقاوم البحر العواصف.