لكل السوريين

السَّفَرطاس… ذاكرة المائدة السورية وحكاية الوجدان الشعبي

في الأزقة العتيقة من دمشق القديمة، وبين بيوت الطين والحجر في حلب وحماة وحمص، لا يزال اسم «السَّفَرطاس» يطفو على سطح الذاكرة كأنه قادم من زمنٍ أبسط وأجمل.

هو ذلك الإناء المعدني ذو الطبقات المتعددة، الذي حمل طعام الأمهات إلى الأبناء، ووجبات الفلاحين إلى الحقول، وغداء الجنود إلى الثكنات.

لكن السفرطاس لم يكن مجرد وعاء، بل رمزٌ لثقافةٍ كاملة من المودة والتكافل الاجتماعي والكرم السوري الأصيل، حتى غدا جزءًا من الذاكرة الشعبية التي تصوغ ملامح الهوية.

من اللفظ إلى الأصل… رحلة الكلمة والمعنى

كلمة السفرطاس ليست عربية الأصل، بل جاءت من التركية العثمانية “Sefertası”، وتعني حرفيًا إناء السفر أو طاسة الرحلة.

الكلمة تتكون من شقين: سفر أي الرحلة أو الانتقال، طاس أي الوعاء المعدني.

دخلت الكلمة إلى اللهجة السورية في العهد العثماني، شأنها شأن عشرات المفردات التي صارت جزءًا من اللغة اليومية، لكنها لم تبقَ دخيلة، بل تمّ “تأصيلها” في الوجدان المحلي، حتى باتت تحمل دلالاتٍ اجتماعية أعمق من معناها التركي الأصلي.

ففي تركيا كان السفرطاس أداة عملية بحتة لنقل الطعام، أما في سوريا فقد تحوّل إلى رمزٍ للعلاقات الإنسانية، وإلى شاهدٍ على زمنٍ كانت فيه الوجبة اليومية رابطًا اجتماعيًا وعاطفيًا لا يُستهان به.

صناعة السفرطاس: بين الحرفة والفن

في الأسواق القديمة مثل سوق النحاسين بدمشق أو خان الشونة بحلب، كان السفرطاس يُصنع يدويًا من النحاس الأحمر أو الأصفر، وأحيانًا من الألمنيوم في فترات لاحقة.

وكان الحرفيون يبدعون في تشكيل طبقاته بدقة، بحيث تتراكب فوق بعضها بإحكام لتمنع تسرب الطعام أو السوائل.

أما غطاؤه فكان غالبًا منقوشًا بزخارف هندسية أو نباتية بسيطة، تشهد على ذوق الصناع السوريين الذين أضفوا على الأدوات اليومية لمساتٍ من الجمال.

ولم يكن السفرطاس مجرّد أداة طبخ، بل قطعة من التراث المادي الذي يعكس الهوية الحرفية والفنية لسوريا.

وفي بعض القرى، كان يُقدَّم كهدية للعرسان الجدد ضمن جهاز العروس، رمزًا للحياة المشتركة والبركة في الرزق.

تعددية الوظائف والأدوار

استُخدم السفرطاس في كل مكان تقريبًا: في المدارس، كان الطلاب يحملونه من البيت صباحًا مملوءًا بالأرز أو البرغل والخضار. في المعامل والورشات، كان العمّال يضعونه قربهم، ويفتحونه ساعة الظهر فيجلسون حوله كعائلة مصغّرة.

وفي الحقول، كانت الأمهات يرسلن الطعام للفلاحين عبر الأطفال أو الصغار، محمولًا في السفرطاس، ملفوفًا بقطعة قماش بيضاء كي لا يبرد. وحتى في الثكنات العسكرية، كان السفرطاس رفيق الجندي الذي يحمل إليه دفء بيته ورائحة طعام أمه.

هكذا صار السفرطاس صلة الوصل بين البيت والعمل، بين المرأة والرجل، بين القرية والمدينة، بل يمكن القول إنه كان واحدًا من أول “وسائل التوصيل” في تاريخ الطعام قبل قرنٍ من انتشار تطبيقات التوصيل الحديثة!

البعد الاجتماعي والرمزي

أجمل ما في السفرطاس أنه حمل روح المشاركة والمحبة.

في العادة، كانت الجارة ترسل طعامها في السفرطاس إلى بيت جارتها المريضة، أو إلى العائلة التي أقامت عزاءً أو احتفالاً، وكان من العيب أن يُعاد فارغًا.

يُقال في الأمثال الشامية القديمة: “السفرطاس ما بيرجع فاضي”، أي أن العلاقة الاجتماعية لا تكتمل إلا بالردّ الجميل.

وهكذا أصبح السفرطاس رمزًا للأخذ والعطاء، وتعبيرًا عن كرمٍ بسيط لكنه عميق.

لم يكن الأمر تبادل طعام فحسب، بل تبادل مودة وإنسانية.

وكان السفرطاس، بما يحمله من أطعمة البيت، يحمل أيضًا رائحة الأم، وصوت المطبخ، ودفء الجيرة.

في وجدان المدن والقرى

في دمشق، ارتبط السفرطاس بذاكرة الحارات القديمة كـ«باب شرقي» و«الصالحية» و«الميدان».

كانت ربات البيوت يضعن فيه الأرز واللبن واليخنة والمقلوبة، ويرسلنه للأبناء في المدرسة أو للأزواج في أماكن العمل.

وفي حلب، كان السفرطاس يُملأ غالبًا بـ“البرغل بالبندورة” أو “المحاشي”، وتُربط طبقاته بخيطٍ صوفيّ متين كي لا تنفتح أثناء الطريق.

أما في القرى الجبلية والساحلية، فقد استخدم الفلاحون السفرطاس لنقل طعامهم إلى الحقول، يجتمعون حوله في الظلال، يأكلون ويغنون قبل العودة إلى العمل.

في كل مدينة سورية كانت للسفرطاس حكاية خاصة، لكنه في النهاية ظلّ رمزًا موحدًا للبساطة والدفء الإنساني الذي يجمع السوريين رغم اختلاف البيئات.

حضور السفرطاس في الذاكرة الشعبية

كثير من القصص والحكايات الشعبية السورية ذكرت السفرطاس كرمزٍ للحنين إلى البيت، أو كأداة تدور حولها الطرائف.

في بعض الحكايات القديمة، يقال إن “الفتى الفقير” كان يعمل في السوق ويحمل سفرطاسه يوميًا، حتى يتعرّف إلى فتاةٍ من بيتٍ ميسور ترسل إليه طعامًا في سفرطاسها بدافع الشفقة، فيتحوّل الوعاء إلى وسيلة لقاءٍ وحبّ.

وفي المسرح الشعبي والدراما السورية، ظهر السفرطاس في أعمال مثل “أسعد الوراق” و“أيام شامية” و“الخوالي”، حيث كان جزءًا من ديكور البيوت البسيطة التي تحفظ ملامح الأصالة.

حتى في الأغاني، نجد إشارات غير مباشرة له حين يُذكر الطعام المنزلي، كرمزٍ للدفء والحنان، في مقابل طعام الشارع أو الغربة.

بين التراث المادي واللامادي

يمثل السفرطاس اليوم جزءًا من التراث المادي السوري، لكنه في جوهره ينتمي إلى التراث اللامادي، لأنه يحمل قيمًا ومعاني أكثر مما يحمل مادة.

إنه رمز للعطاء والتكافل، للتقاليد العائلية، وللمكانة المحورية للأم السورية في الحياة اليومية.

فهو يختصر ثقافة كاملة تقوم على احترام الطعام واعتباره بركة، وعلى الاجتماع حول المائدة كفعل إنساني يرمز إلى التآلف والطمأنينة.

وفي زمنٍ صار فيه الطعام يُؤكل على عَجَل، يذكّرنا السفرطاس بأن الأكل كان يومًا حدثًا اجتماعيًا وروحيًا، تُشارك فيه العائلة لحظات الدفء، ويُستحضر فيه معنى البركة والامتنان.

في الأسواق والمتاحف

اليوم، يمكن للزائر أن يرى السفرطاس في الأسواق التراثية أو المتاحف الشعبية مثل متحف التقاليد بدمشق أو متحف إدلب أو السويداء.

تُعرض النماذج القديمة منه بجانب أدوات الطهي التقليدية، ليشهد على حقبة كانت فيها الأدوات اليدوية جزءًا من الهوية اليومية.

وفي بعض الأسواق، أعيد إنتاج السفرطاس بألوان ونقوش جديدة، وأصبح يُستخدم في المطاعم التراثية لتقديم الطعام للزبائن بطريقة «زمان»، في محاولة لربط الماضي بالحاضر.

وفي مهرجانات التراث، يُقدَّم السفرطاس كرمزٍ للمحبة البيتية والذاكرة الجميلة، حتى بات أحد الرموز البصرية للهوية السورية إلى جانب الطاجن والخابية والدلة النحاسية.

رمزية أعمق: السفرطاس كاستعارة للحياة

يمكن النظر إلى السفرطاس بوصفه استعارة رمزية للذاكرة السورية نفسها.

تمامًا كما تتراكم طبقاته فوق بعضها، تتراكم في حياة السوريين طبقات من التاريخ:

الطبقة الأولى عثمانية، تليها الشامية، فالريفية، فالعصرية… كلها تحافظ على نكهة المكان والزمان.

وفي كل طبقة، هناك حكاية: عن الأمهات، عن الجيران، عن طعامٍ أُرسل بحبٍّ فعاد بشكرٍ وامتنان.

لقد صار السفرطاس وعاءً للذاكرة أكثر مما هو للطعام، يذكّر الأجيال الجديدة بأن التراث ليس مجرد ما نعرضه في المتاحف، بل ما نحمله في سلوكنا اليومي، في تفاصيل حياتنا البسيطة.

تحوّلات الحداثة… من النحاس إلى البلاستيك

مع دخول القرن العشرين وانتشار الأواني الحديثة والعلب البلاستيكية، بدأ السفرطاس يختفي تدريجيًا من المشهد اليومي.

حلّت محله حافظات الطعام الحرارية وحقائب المدارس المجهزة، لكن رغم ذلك ظلّ الحنين إلى السفرطاس قويًا في ذاكرة من عاشوا تلك الأيام.

في كثير من البيوت، ما زالت بعض الجدّات تحتفظ بسفرطاسها القديم كذكرى، يلمع في المطبخ رغم أنه لم يُستخدم منذ عقود.

بل إن بعض العائلات بدأت تعيده إلى الاستخدام في الرحلات والزيارات العائلية، كتعبير رمزي عن الوفاء للتراث.

السفرطاس والمرأة السورية

من الصعب الحديث عن السفرطاس دون ذكر دور المرأة السورية التي كانت رفيقته الدائمة.

هي من كانت تملأه كل صباح، وتربط طبقاته بخيوطٍ من القماش، وتدسّ بين الطعام رسالة غير مكتوبة من الحنان.

كان السفرطاس جزءًا من طقوس الأمومة اليومية، ومن أدوات التعبير الصامتة عن العناية والرعاية.

وحين يُعاد إليها السفرطاس مساءً، كانت تفتحه بشغف لتعرف: هل أكلوا كل ما طبخته؟ هل أحبّوا الطعم؟

في هذه اللحظة الصغيرة كانت تختصر مشاعرها جميعًا: التعب، الفخر، والمحبة.

السفرطاس في المخيال الجمعي السوري

يحتل السفرطاس في الذاكرة السورية موقعًا مشابهًا لما تحتله أدوات أخرى كـ”المنقل” و”الدلة” و”المهباج”.

جميعها رموز لماضٍ بسيطٍ غنيّ بالمعاني.

لكن السفرطاس يمتاز بأنه يجمع بين الدفء المادي والمعنوي؛ فهو يحمل الطعام، ويحمل معه الرسائل العاطفية والاجتماعية.

ولهذا صار رمزًا متكررًا في اللوحات الفنية والأفلام الوثائقية التي توثّق التراث السوري.

حتى بعض المطاعم الحديثة في دمشق وحلب استوحت شكله لتصميم ديكوراتها، وكأنها تريد أن تقول:

هنا طعام على الطريقة القديمة… طعام من ذاكرة البيت السوري.”

بين التراث والاستدامة

من زاويةٍ معاصرة، يمكن النظر إلى السفرطاس أيضًا كرمزٍ مبكرٍ لمفهوم الاستدامة البيئية.

فهو أداة قابلة للاستخدام لسنوات طويلة، لا تلوّث البيئة ولا تُستهلك بسرعة، بخلاف العلب البلاستيكية المعاصرة.

كان السفرطاس يعكس علاقة الإنسان بالطبيعة والموارد — علاقة احترامٍ وتوازنٍ واستعمالٍ رشيد، وهي قيم يعيد العالم اكتشافها اليوم بعد قرنٍ من الإسراف الصناعي.

ذاكرة ما زالت تنبض

رغم مرور مئة عامٍ أو أكثر على ظهوره في سوريا، فإن السفرطاس ما زال حاضرًا في أحاديث الناس، في صور الأرشيف، وفي المهرجانات التراثية التي تُقام كل عام في المدن السورية.

قد لا يُستخدم كما كان، لكنه يعيش كفكرةٍ ورمزٍ ومعنى.

حين يتحدث السوريون عن البساطة القديمة، عن دفء العلاقات، عن «طعام الأم»، فإن صورة السفرطاس تلوح في الذاكرة فورًا، كأنها مرآة لذاك الزمن الذي كان فيه الطعام وسيلة محبة لا استعراض.

وعاء الوطن وذاكرة الناس

إن حكاية السفرطاس ليست عن معدنٍ أو طعامٍ فحسب، بل عن علاقة السوريين بالبيت والذاكرة والهوية.

هو شاهدٌ على زمنٍ لم تكن فيه الأدوات تُستهلك بسرعة، بل تُحفظ وتُعتنى بها، لأن وراء كل أداة حكاية إنسان.

وحين ننظر إلى السفرطاس اليوم، نرى فيه صورة مصغّرة عن سوريا نفسها:

بلدٌ متعدد الطبقات، غنيّ بالنكهات، يحتفظ رغم كل التحولات بروحه الدافئة وجماله البسيط.

السفرطاس، إذن، ليس مجرد وعاءٍ من نحاسٍ أو ألمنيوم،

إنه وعاء للذاكرة السورية،

حمل في طبقاته طعام الأمهات، ورائحة الحارات، وصوت الحياة كما كانت قبل أن يغيّرها الزمن.

- Advertisement -

- Advertisement -