حاوره/ مجد محمد
أشار حسين عبد الجبار إلى أن الاستقرار في سوريا لا يشترى بالمال ولا يفرض من الخارج، بل يبنى عبر مشروع وطني ديمقراطي يضمن حقوق كل السوريين ويعيد رسم مستقبل البلاد بعيداً عن الصفقات المفروضة.
خلال الأسابيع الأخيرة، تناقلت وسائل إعلام عبرية وغربية تقارير عن مفاوضات غير معلنة بين دمشق وتل أبيب، برعاية أمريكية وخليجية، حول اتفاق أمني يتضمن نزع السلاح جنوب سوريا، ومنع إعادة بناء الجيش السوري، وفتح ممرات إنسانية مقابل مساعدات وإعمار، بالتزامن مع التوسع الإسرائيلي في الجنوب السوري منذ أواخر ٢٠٢٤، الذي أعاد فتح النقاش حول مستقبل البلاد، وسط تساؤلات حول موقع القوى المحلية في أي تسويات محتملة.
وفي هذا الموضوع عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ حسين عبد الجبار عضو الحزب الوطني التقدمي، ودار الحوار التالي:
*بداية، كيف تنظرون إلى ما يثار حول اتفاق أمني سوري–إسرائيلي؟
هذه التسريبات ليست بعيدة عن الواقع، حتى وإن نفت دمشق، التاريخ يؤكد أن الأنظمة الحاكمة اعتادت على المساومات السرية في لحظات أزماتها الكبرى، الأمر يعكس حجم الضغوط الدولية، لكنه في الوقت ذاته يبين أن القرار يدار وفق حسابات بقاء السلطة، لا وفق مصلحة السوريين أو استقرار البلاد.
*إسرائيل وسعت وجودها العسكري في الجنوب مؤخراً، كيف تقرأون هذا التطور؟
ما تقوم به إسرائيل يشبه إلى حد كبير تجربتها السابقة في جنوب لبنان، هي تسعى إلى منطقة عازلة تبعد إيران وحزب الله، وتمنع أي إعادة تشكيل لجيش سوري قوي، هذا التوسع يوضح غياب السيادة الفعلية، حيث تحولت سوريا إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى متعددة.
*ما موقفكم من منع إعادة بناء الجيش السوري؟
الجيش الحالي لم يعد مؤسسة وطنية، بل أداة بيد السلطة، لذلك نحن نؤيد إصلاحه جذرياً ليصبح جيشاً دفاعياً وطنياً يحمي البلاد لا السلطة، لكن فرض منع إعادة البناء عبر الخارج يعني تكريس التبعية، ويجعل البلاد رهينة لإملاءات الآخرين، المطلوب إعادة بناء، لكن برؤية سورية شاملة، لا بصفقات مفروضة.
*هل ترون أن الاتفاق المحتمل يهدد وحدة سوريا؟
بالتأكيد، أي اتفاق جزئي أو ثنائي يتم خارج إطار وطني جامع يفتح الباب للتقسيم، وحدة سوريا لا تصان عبر الصفقات، بل عبر مشروع سياسي يضمن حقوق كل السوريين، على قاعدة العدالة والتعددية.
*الحكومة الانتقالية لم تنفي المفاوضات، هل تمتلك فعلاً القدرة على الرفض أو القبول؟
لا يمتلك كامل القرار السيادي، النظام محكوم بميزان القوى بين تركيا من جهة، وضغوط الغرب والخليج من جهة أخرى، لذلك قدرته على الرفض محدودة جداً، وأي تفاهم يجري غالباً يصاغ في الخارج.
*كيف سينعكس هذا المسار على شمال وشرق سوريا؟
أي تغيير يخص مستقبل سوريا دون إشراك الإدارة الذاتية ينعكس سلباً على الشمال الشرقي، نحن جزء من المعادلة الوطنية، وأي عملية سياسية تتجاهلنا ستبقى ناقصة ولن تحقق الاستقرار، تجاهل القوى الديمقراطية يهدد أي مسار بالفشل.
*ما موقفكم من الحديث عن ممرات إنسانية ضمن الاتفاق؟
المساعدات ضرورية، لكن يجب أن تكون عبر آليات أممية شفافة، تحويل الممرات إلى ورقة تفاوضية خطر كبير، لأنه قد يرسخ مناطق نفوذ جديدة، نحن مع الإغاثة، لكن بعيداً عن الابتزاز السياسي.
كيف تقيمون الموقف الخليجي؟
بعض الدول الخليجية ترى أن إعادة دمشق إلى الحاضنة العربية مشروطة بضمان أمن إسرائيل والحد من النفوذ التركي، لذلك تشجع هذه الترتيبات بالتنسيق مع واشنطن، النتيجة أن الملف السوري يدار بأولويات غير سوريا.
*هل يمكن أن تفتح هذه التطورات الباب لتسويات في مناطق أخرى؟
نعم، أي اتفاق في الجنوب سيجر الحديث عن ترتيبات في الشمال، لكننا نكرر أن الحلول الجزئية هشة وقابلة للانفجار، الحل الوحيد المستدام هو مشروع شامل يضمن حقوق كل المكونات.
*كيف سيتأثر الدور الإيراني في حال إقرار الاتفاق؟
إيران ستكون الخاسر الأكبر، لأن جوهر أي تفاهم مع إسرائيل هو إضعاف نفوذها العسكري، لكن وجودها في مؤسسات الدولة والاقتصاد سيجعل استبعادها عملية طويلة ومعقدة، وقد يدفعها لتعزيز حضورها بطرق أخرى.
*وماذا عن الموقف الروسي؟
روسيا لن تسمح بإقصائها، صحيح أنها منشغلة في أوكرانيا، لكنها حريصة على بقاء قواعدها في الساحل السوري، لذلك قد توافق على أي اتفاق إذا ضمن مصالحها، حتى لو كان على حساب سيادة سوريا.
*ما الخطوات المطلوبة لتجنب فرض اتفاقات خارجية على السوريين؟
المطلوب هو بناء جبهة داخلية سورية تضم القوى الديمقراطية والمجتمعية، قادرة على فرض نفسها في أي مفاوضات، إذا بقيت القوى الوطنية متفرقة، ستظل الترتيبات الدولية تفرض من الخارج.
*ما رسالتكم للأطراف الدولية؟
رسالتنا واضحة، الاستقرار لا يفرض بالصفقات الثنائية، تجاهل صوت القوى الديمقراطية والإدارة الذاتية لن يجلب إلا مزيداً من الأزمات، الحل يكمن في دستور ديمقراطي يضمن التعددية واللامركزية وحقوق كل السوريين.
*كيف ترون مستقبل سوريا في ضوء هذه المستجدات؟
المستقبل مفتوح على احتمالات متعددة، إذا استمرت الصفقات الجزئية، سنشهد دورات جديدة من الأزمات، لكننا نؤمن أن الفرصة ما زالت قائمة لإعادة بناء سوريا على أسس عادلة وديمقراطية، إذا ما جرى الاعتراف بالإدارة الذاتية وشركائها كجزء أصيل من الحل السياسي.
*برأيكم، هل يمكن أن يتحول الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ شبيهة بشمال وشرق سوريا أو الشمال الغربي؟
هذا الاحتمال قائم بقوة، ما نراه اليوم هو إعادة إنتاج لسيناريو مناطق النفوذ التي باتت واقعاً في سوريا، إذا ثبت مشروع المنطقة الأمنية في الجنوب، فهذا يعني مزيداً من التشظي وفقدان السيادة الوطنية، لذلك نكرر أن الحل لا يكون بتكرار التجارب، بل بوضع رؤية سياسية شاملة تمنع تكريس التقسيمات
*كيف تنظرون إلى انعكاسات هذا الاتفاق على الشعب السوري بشكل مباشر؟
أي اتفاق يجري بمعزل عن الشعب يعني ببساطة أن مصالح الناس لن تكون في الأولوية، السوريون بحاجة إلى أمان، عمل، وكرامة، وليس إلى ترتيبات أمنية تدار فوق رؤوسهم، لذلك نرى أن هذه الصفقات، إن حدثت، قد تزيد الإحباط الشعبي وتعمق الفجوة بين المجتمع والحكومة.
*هل ترون أن هناك فرصة لأن تلعب الإدارة الذاتية دور الوسيط أو الشريك في أي مسار تفاوضي مقبل؟
نعم، لأن الإدارة الذاتية تمثل نموذجاً عملياً للحكم المحلي التشاركي، وأثبتت قدرتها على إدارة الأزمات الأمنية والإنسانية، إذا كان الهدف فعلاً هو استقرار سوريا، فلا يمكن تهميش هذا الدور، بل يجب إدماجه في أي عملية سياسية مستقبلية.
*ما موقفكم من استخدام الأمن القومي لإسرائيل كمدخل لإعادة صياغة مستقبل سوريا؟
هذه مقاربة خطيرة، لأن سوريا لا يمكن أن تختزل في أمن إسرائيل، إذا جرى بناء الحل على هذه القاعدة، فسيتحول الملف السوري إلى مجرد ورقة في الترتيبات الإقليمية، بينما تبقى معاناة الشعب السوري بلا حل، المطلوب أن يكون الحل منطلقاً من الداخل السوري، مع مراعاة مصالح الجوار، لكن دون أن تكون هي المحدد الأول.
*ما هي الضمانات التي ترونها ضرورية كي لا تتحول هذه الاتفاقات إلى غطاء لإطالة عمر الأزمة؟
الضمانات تبدأ بوجود إشراف دولي حقيقي، وشفافية في أي تفاهمات، وإشراك جميع القوى السورية الفاعلة، من دون ذلك، سنشهد إعادة تدوير للأزمة بدل معالجتها، المطلوب ليس مجرد اتفاق أمني، بل مسار سياسي شامل ينهي الحرب ويعيد بناء الدولة على أسس ديمقراطية.