أثارت الأحداث الأخيرة في قطاع غزة ردود فعل عالمية واسعة بعد سيطرة البحرية الإسرائيلية على سفن “أسطول الصمود العالمي” واحتجاز النشطاء المتوجهين إلى القطاع لكسر الحصار المفروض عليه.
وأدت هذه الحوادث إلى مظاهرات واحتجاجات في عدد من دول العالم، استنكر المشاركون فيها الإجراءات الإسرائيلية وطالبوا بوقف العدوان ومحاسبة إسرائيل أمام المحاكم الدولية والرأي العام العالمي.
وأظهرت شهادات النشطاء بعد إطلاق سراحهم حجم المعاناة التي يتعرض لها سكان غزة، من تجويع متعمد وانتهاكات ممنهجة، وهو ما دفع العديد من الأصوات الدولية للمطالبة بوقف تسليح إسرائيل ومقاطعة منتجاتها، وتسليط الضوء على الانتهاكات المستمرة بحق المدنيين الفلسطينيين.
وقد أسفرت الحرب على غزة عن تحول ملموس في الوعي العالمي، إذ استعادت القضية الفلسطينية مركزها كقضية شعب يطالب بحريته واستعادة أراضيه المحتلة.
سقوط السردية الإعلامية لإسرائيل
وسقطت السردية الإسرائيلية التي كانت تهيمن على الخطاب الإعلامي العالمي، وبات الرأي العام يرى الجيش الإسرائيلي على أنه السبب الرئيسي للمأساة، وأن الحل السياسي العادل لا يتحقق إلا من خلال إنهاء الحرب وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم وعودة اللاجئين إلى ديارهم.
وعلى الصعيد الدولي، شهدت الأشهر الأخيرة زيادة ملحوظة في عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، وهو اعتراف بات يكتسب طابعاً سياسياً وأخلاقياً أعمق، بعد أن تجاوز كونه رمزياً فقط.
وفيما يتعلق بالسردية الإعلامية، فقد تراجعت الرواية الإسرائيلية التي كانت تقوم على مزاعم “الحق التاريخي” في الأرض الفلسطينية، إذ لم يعد الجمهور العالمي يعتمد على وكالات الإعلام التقليدية فحسب، بل أصبح الوصول الحر للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً، مما أدى إلى كشف العديد من الأكاذيب التي روجت لها الرواية الإسرائيلية، بما في ذلك الادعاءات حول استهداف المدنيين الفلسطينيين بطرق ملفقة.
تغير ملحوظ
شهدت وسائل الإعلام الغربية تغيراً ملحوظاً في تغطيتها، إذ بدأ جيل جديد من الصحفيين والناشطين في فضح التضليل الإعلامي الإسرائيلي، ما أثر على صورة إسرائيل حتى بين المجتمعات التي كانت تعتبرها حليفاً ثابتاً.
ومع استمرار تبعات الحرب على غزة، فقدت السردية الإسرائيلية قدراتها على فرض رؤية تل أبيب، وأصبح الصوت العالمي أكثر تأثيراً، خصوصاً بين الشباب الغربي الذي يمثل مستقبل صانعي القرار.
وفي ظل هذه التطورات، بدأت المؤشرات الغربية تتجه بعيداً عن الدعم التقليدي لإسرائيل، مع ظهور مشاهد مؤلمة لأطفال غزة يعانون الجوع والمجاعة، ما جعل التجاهل الدبلوماسي للمأساة أمراً شبه مستحيل.
وبرزت تصدعات واضحة في الأطر الديبلوماسية التي لطالما بررت الأعمال الإسرائيلية في غزة، حيث أصبح الضغط الأخلاقي والرأي العام عوامل مؤثرة في الموقف الدولي تجاه الاحتلال.
كما بدأ تأثير هذه التحولات يصل إلى ملف التطبيع، إذ بدأت الدول التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل مراجعة مواقفها تحت ضغط شعوبها، وأصبح من الصعب اعتبار العلاقة مع إسرائيل مكسباً سياسياً أو اجتماعياً، فيما تبدو الاتفاقات القائمة أقرب إلى التعاون الأمني منها إلى التكامل الثقافي والتجاري.
وفي الوقت نفسه، يواصل الشعب الفلسطيني في غزة مواجهة انتهاكات الجيش الإسرائيلي المستمرة، وهو ما يجعل تصور إسرائيل كدولة طبيعية في المنطقة أمراً بعيد المنال.
ومع استمرار الممارسات الإسرائيلية، فقد خسرت تل أبيب جزءاً كبيراً من شرعيتها السياسية والديبلوماسية حتى بين أنصارها التقليديين، فيما يزداد الاعتراف الدولي بأن السلام العادل لن يتحقق إلا بتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الثابتة وإنهاء الاحتلال.