حمص/ بسام الحمد
في أحد أيام تشرين الباردة، استيقظ سكان مدينة حمص على مشهد غير معتاد؛ ضباب أبيض كثيف يملأ الشوارع والطرقات، كأنه سحابة غريبة هبطت فجأة على المدينة، مخلفة وراءها شعوراً بالقلق والذعر. لم يكن هذا الضباب مجرد حالة جوية طبيعية، بل كان نتيجة تسرب غاز سام من مصفاة حمص الواقعة في الجهة الغربية للمدينة، حيث تنبعث الأبخرة والمواد الكيميائية الخطرة من وحدات المعالجة الصناعية.
مع بداية انتشار الضباب، لم يكن المواطنون على دراية بخطورته، لكن سريعاً بدأت تظهر أعراض التسمم على الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض الجهاز التنفسي. ياسمين، سيدة من حي القصور، روت تجربتها المقلقة: “خرجت لأحضار أبنائي من المدرسة، وإذا بالضباب يغطي المدينة بالكامل. شعرت بالاختناق وسعال مستمر، وكان الأطفال يعانون من الدوار والقيء. لم يكن هناك أي تحذير مسبق، كنا جميعاً معرضين للخطر دون معرفة مسبقة.”
ليست هذه الحادثة الأولى في المدينة، فقبل سنتين، تعرض تلاميذ بلدة قطينة القريبة من معمل الأسمدة لأعراض مشابهة، بعد تسرب غاز حمضي من أحد أقسام المعمل أثناء الاصطفاف في ساحة المدرسة. تم إسعافهم على الفور، لكن الحادثة تركت الأهالي في حالة خوف دائم من تكرار مثل هذه الحوادث، في ظل غياب الرقابة الكافية على المنشآت الصناعية.
صناعة تواجه صحة المواطنين
تلوث الهواء في حمص ليس مجرد حدث عارض، بل هو مشكلة مزمنة متراكمة، نتيجة وجود عدد من المنشآت الصناعية الثقيلة، مثل مصفاة حمص، ومعمل مزج الزيوت، والشركة العامة للسكر، ومعمل الوليد للغزل والنسيج، ومعمل الألبان، إلى جانب معامل صغيرة تستخدم مواد كيميائية ضارة.
مهندس يعمل في المصفاة، رفض الكشف عن اسمه، وأوضح أن: “المصفاة تطلق الغبار والمواد الهيدروكربونية، وأول أكسيد الكربون، وحمض الكبريت، إضافة إلى مخلفات صلبة كالفحم والزيوت المستهلكة والإسطوانات الحاوية على الكلور. هذه المواد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، وتلوث الهواء بشكل يومي.” وأضاف أن مادة التنر المتسربة من المضخات وصمامات وحدات الإنتاج، فضلاً عن الروائح الكريهة الناتجة عن الأحواض المكشوفة، تجعل سكان الأحياء المحيطة يعانون بشكل مستمر.
وفي حي الزهراء، تحدث السيد جمال عن المعاناة اليومية لأسرته: “أطفالي يعانون من الربو، وكلما تراكم الضباب الأبيض، تزداد حالتهم سوءاً. نضطر لإغلاق النوافذ واستخدام أجهزة تنقية الهواء، لكنها غير كافية، وحتى مياه البئر تغيرت طعمها ورائحتها.”
قوانين على الورق وتحديات التنفيذ
على الرغم من وجود قانون حماية البيئة رقم 12 لعام 2012، وإجراءات تقييم الأثر البيئي، إلا أن التطبيق على أرض الواقع يواجه العديد من العقبات. مديرية البيئة بحمص تعمل على رصد المنشآت الصناعية وتنظيم حملات تفتيشية، لكنها تعاني من نقص شديد في المعدات ومحطات الرصد، إضافة إلى الموارد البشرية والمالية المحدودة.
مدير البيئة طلال العلي قال: “نعتمد على محطات رصد متنقلة ونقوم بجولات تفتيشية، ونصدر تقارير وإنذارات، لكن بدون تمويل كافٍ وتعاون مؤسسي فعال، لا يمكن متابعة كل المنشآت على مدار الساعة.” وأضاف أن القياسات المتوفرة لمؤشرات جودة الهواء مثل PM وغاز ثاني أكسيد النيتروجين محدودة من حيث المدى الزمني والتغطية المكانية، والدراسات الأكاديمية حول تأثير النقل والطاقة على جودة الهواء في المدينة قليلة ومتقطعة.
وأشار العلي أيضاً إلى أن قطاع النقل يشكل أحد المصادر الرئيسية للملوثات، نتيجة أسطول سيارات قديم، وجودة وقود منخفضة، وغياب الفحص الدوري لعوادم المركبات، ما يزيد العبء على صحة السكان ويضاعف نسبة الملوثات في الهواء.
تداعيات التلوث على الريف والزراعة
التلوث لم يقتصر على المدينة، بل امتد تأثيره إلى الريف حيث يعاني المزارعون من تداعياته على المحاصيل والمياه. الفلاح عبد الرحمن من قرية تل سلوم قال: “المياه بدأت تلوث، والأرض لم تعد تنتج كما كانت سابقاً، والأطفال يعانون من السعال عند اللعب في الحقول. لم نعد نعرف من نلوم، هل مصانع المدينة أم تقاعس الجهات الرقابية؟”
هذه المشاهد تبرز هشاشة النظام البيئي في حمص، وارتباط صحة الإنسان بالقدرة على التحكم بالتلوث الصناعي والزراعي، وهو ما يفرض على جميع الجهات المعنية مسؤولية فورية وواضحة.
دعوات للحماية والمستقبل
أكد مدير البيئة أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون جميع الجهات الحكومية والمواطنين، إلى جانب تمويل كافٍ، وتحديث شبكات الرصد، وتحسين جودة الوقود، وتطبيق صارم للقوانين، لضمان بيئة صحية وآمنة. وأضاف: “بدون هذه الإجراءات، سيظل سكان حمص والريف يعيشون تحت تهديد يومي من الغازات الضارة، وضباب أبيض يذكرهم بأن الهواء أصبح مصدر قلق دائم، وليس مجرد عنصر طبيعي.”
هكذا تبقى حمص في مواجهة تحدٍ كبير؛ بين مصالح الصناعة والحاجة الملحة لحياة صحية وآمنة، وبين قوانين موجودة على الورق ونقص الإمكانات على أرض الواقع، لتظل بيئة المدينة وسكانها في مواجهة يومية مع آثار التلوث التي تهدد حياتهم وصحتهم على المدى الطويل.