لكل السوريين

الصناعة الوطنية في اللاذقية بين ضغوط التكاليف وتحديات التهريب والمنافسة

تشهد أسواق محافظة اللاذقية تصاعداً واضحاً في انتشار البضائع الأجنبية، خاصة المهربة منها، ما يضع الصناعة الوطنية أمام أزمة متفاقمة تهدد قدرتها على الاستمرار والمنافسة.

وبينما ينجذب المستهلكون إلى هذه السلع بسبب انخفاض أسعارها، يجد الصناعيون والتجار أنفسهم مثقلين بأعباء متزايدة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأولية وأجور العمال، إضافة إلى تراكم المخزون نتيجة ضعف المبيعات، وتواجه صناعات محلية عريقة مثل صناعة الجلود والألبسة صداماً يومياً مع البضائع المهربة والرخيصة، الأمر الذي يقلل من قدرتها التنافسية ويهدد بإخراجها من السوق.

واستجابةً لمطالب أصحاب المشاغل والمصانع دعت غرفة تجارة وصناعة اللاذقية إلى اجتماع موسع للاستماع إلى شكاوى الصناعيين، وتركزت أبرز المعضلات على ضعف الأسواق، وارتفاع تكاليف المواد الأولية، وإيجارات المحلات والمنشآت، ونقص الكهرباء، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الفوضى التي تفرضها البسطات المنتشرة في الأسواق.

وشملت مطالب الصناعيين ضرورة ضبط التهريب بشكل كامل، خصوصاً الألبسة المستعملة (البالة)، وإعفاء المواد الأولية المستوردة من الرسوم الجمركية، وتوفير الكهرباء بشكل مستمر، وتقديم إعفاءات ضريبية لمعامل الألبسة لمدة سنتين على الأقل، مع التشديد على أهمية تحريك السوق عبر فك احتباس السيولة في البنوك، وتعزيز الأمن في المناطق الصناعية، وتأمين وسائل نقل عامة للعمال.

ويرى الخبراء أن مستقبل النشاط الاقتصادي في اللاذقية مرهون بخلق توازن حقيقي بين التجارة والصناعة، حيث إن ارتفاع تكاليف الطاقة وغياب الدعم الفعّال لقطاع الصادرات يجعل المنتجات السورية أقل قدرة على المنافسة أمام منتجات دول الجوار، خصوصاً التركية.

كما أن حجم الاستيراد الكبير الذي بلغ مستويات مرتفعة من البيانات الجمركية عبر المعابر السورية يشكل ضغطاً هائلاً على السوق المحلية، في حين بات التهريب يشكل خطراً استراتيجياً على الاقتصاد الوطني بسبب التراخي في مكافحته. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من البضائع المعروضة حالياً في الأسواق المحلية مصدرها لبنان أو تركيا، ورغم أن هذه البضائع لا تقل جودة عن المنتج المحلي وتباع بأسعار أقل، إلا أن أثرها مدمّر للصناعة الوطنية، حيث تدفع العديد من الصناعيين إما إلى إغلاق منشآتهم أو إلى التحول نحو التجارة عبر استيراد وبيع تلك البضائع.

وتقدم الصناعي منيف الخالد بعدد من المقترحات الداعمة للقطاع، أبرزها توفير احتياجات الصناعيين لزيادة قدرتهم التنافسية، وتطوير برامج دعم نوعية للصناعة الوطنية لرفع الجودة وخفض الأسعار، والتشدد في مراقبة الأسواق ومنع دخول البضائع المهربة، وفرض رسوم إغراق على المنتجات المستوردة النهائية مع الالتزام بالمعايير الصحية والبيئية. وشدد على أن دعم المنتج الوطني ضرورة لتعزيز قوة الاقتصاد، فـ”قوة اقتصادك تعني قوة البلد”.

لكن المستهلكين يطرحون وجهة نظر مغايرة، إذ يرون أن المنتج المحلي لا يزال بعيداً عن التنافسية سواء من حيث السعر أو الجودة، وأن بعض الصناعيين يبالغون في هوامش الربح، ما يفقد منتجاتهم القدرة على المنافسة، ومع ذلك يؤكد الخبراء أن السوق لا تعترف بالعاطفة، وأن أي منتج يجمع بين الجودة والسعر المناسب هو الأجدر بالبقاء، سواء كان سورياً أم أجنبياً.

وتتأرجح الصناعة الوطنية اليوم بين ضغوط التكاليف وتحديات التهريب والمنافسة، فيما تبقى الحاجة ماسة إلى خطة حكومية متكاملة تضمن للمستهلك سلعة جيدة وبسعر مناسب، وتمنح المنتج الوطني فرصة عادلة للاستمرار في السوق. وبين المطرقة والسندان، يظل السؤال مفتوحاً هل ينجو المنتج السوري من المنافسة غير العادلة؟.

من جانبه، يقول رجل الصناعة من اللاذقية، قاسم الفيصل، إن الواقع الصناعي في المحافظة يشهد خطوات فعلية نحو تطوير شامل، في إطار توجه وزاري يعمل على تحقيق نقلة نوعية في الواقع الإنتاجي وتحسين بيئة الاستثمار الصناعي بما ينعكس على الاقتصاد المحلي بشكل مباشر.

ويؤكد أن العمل جارٍ على دعم وتطوير البنية التحتية للمنطقة الصناعية من خلال إعادة تأهيل الطرقات وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، بالتعاون مع وزارة الإدارة المحلية ومحافظة اللاذقية، بهدف تأمين تمويلات للمشاريع الخدمية الداعمة للنشاط الصناعي، وهو ما يشكل قاعدة أساسية لجذب الاستثمارات وتسهيل انطلاق المشروعات الإنتاجية.

وأشار إلى أن هناك توجهاً حكومياً نحو تحفيز الصناعات الصغيرة والمتوسطة من خلال تقديم تسهيلات في الترخيص والتمويل إلى جانب العمل على تخفيض الرسوم، ما يسهم في تنشيط العملية الإنتاجية وتأمين فرص عمل جديدة. ويتم العمل على تفعيل برنامج تشجيع الاستثمارات كوسيلة للحد من الاستيراد وتعزيز الاعتماد على الصناعة الوطنية، حيث تركز الخطط الموضوعة على تحقيق تنمية صناعية مستدامة في محافظة اللاذقية عبر تهيئة بيئة استثمارية مشجعة ودعم المشروعات الإنتاجية ذات الطابع التصديري، مع التركيز على تطوير القدرات البشرية من خلال برامج تدريب وتأهيل فني تهدف إلى رفع كفاءة اليد العاملة في القطاع الصناعي.

لكن الفيصل يلفت إلى أن هناك تحديات تواجه مديرية الصناعة، من أبرزها الاكتظاظ في المنطقة الصناعية الحالية وعدم توفر مقاسم جديدة مؤهلة، إضافة إلى الحاجة الملحّة لتحديث التجهيزات الإدارية والتقنية داخل المديرية بما يضمن تسريع إجراءات الترخيص وتقديم خدمات أكثر مرونة وفاعلية للصناعيين.

وفي السياق ذاته، أوضح المهندس عمر ديب من المنطقة الصناعية في اللاذقية أن المحافظة ستحظى باهتمام متزايد خلال المرحلة المقبلة ضمن خطط تنموية شاملة، تسهم في إنعاش الاقتصاد المحلي وتعزيز الاستقرار المعيشي من خلال دعم الصناعة الوطنية والاعتماد على الموارد والإمكانات المحلية المتاحة.

- Advertisement -

- Advertisement -