لكل السوريين

حرف حماة التراثية تصارع للبقاء.. “خان رستم باشا” يستغيث قبل اندثار ذاكرة المدينة

في قلب مدينة حماة القديمة، حيث تتعانق حجارة التاريخ مع تفاصيل الحياة اليومية، يقف “خان رستم باشا” شاهدًا على زمن كانت فيه الحرف اليدوية عنوانًا للهوية والإبداع ومصدر رزق لعائلات بأكملها. إلا أن هذا المكان التراثي الذي يحتضن عشرات الحرفيين اليوم، بات يعكس واقعًا مختلفًا؛ فخلف أبوابه القديمة تختبئ قصص مهن مهددة بالتراجع، وحرفيين يتمسكون بما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم رغم صعوبة الظروف الاقتصادية وضعف التسويق وغياب الأسواق القادرة على إنقاذ منتجاتهم.

داخل أروقة الخان، يعمل أكثر من عشرين حرفيًا في مجالات متنوعة، من صناعة النواعير والمجسمات الخشبية إلى الرسم والأعمال اليدوية والتراثية، محاولين الحفاظ على مهن تحمل هوية المدينة وذاكرتها، إلا أن استمرار هذه الحرف بات مرتبطًا بقدرتها على تأمين مصدر دخل لأصحابها، وهو ما أصبح التحدي الأكبر في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

حرفيون بين عشق المهنة وصعوبة الاستمرار

الحرفي مصطفى ظاظا، الذي يعد من القلائل الذين ما زالوا يعملون في صناعة النواعير التقليدية بمدينة حماة، يؤكد أن ارتباطه بهذه الحرفة جاء من حبه للتصميم ورغبته في الحفاظ على إرث عائلته، لكنه يشير إلى أن الواقع الاقتصادي جعل الاستمرار فيها أمرًا بالغ الصعوبة.

وأوضح ظاظا أن صناعة النواعير لم تعد تحقق العائد الذي يساعد الحرفي على تأمين احتياجات أسرته، لذلك اضطر إلى العمل في مجال التصميم مع الاستمرار في ورشة والده للحفاظ على هذه الحرفة، ومحاولة تطوير منتجات تجمع بين الطابع التراثي واللمسة الحديثة بهدف إيجاد فرص أفضل للتسويق.

ويطالب ظاظا بدعم الحرف اليدوية وتأمين مستلزمات الإنتاج وفتح قنوات بيع تساعد الحرفيين على تصريف منتجاتهم، مؤكدًا أن الحفاظ على هذه المهن لا يتعلق بالحرفيين وحدهم، بل هو مسؤولية مرتبطة بحماية جزء من هوية حماة الثقافية.

التسويق الحلقة الأضعف

من جهته، يشير الحرفي محمد سعيد المدني، العامل في مجال صناعة المجسمات الخشبية، إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجه حرفيي خان رستم باشا تتمثل في ضعف التسويق وقلة فرص الوصول إلى الزبائن.

ويرى المدني أن المنتجات اليدوية تحتاج إلى معارض داخلية وخارجية ومنصات تسويقية تساعد على تعريف الناس بها، مطالبًا الجهات المعنية، ولا سيما المؤسسات المرتبطة بالسياحة والثقافة، بدعم هذه المنتجات عبر شرائها وعرضها في المؤسسات أو اعتمادها كهدايا تذكارية تعكس صورة التراث السوري.

ويحذر المدني من أن استمرار إهمال هذا القطاع سيؤدي إلى اندثار العديد من الحرف، لأن الحرفي في النهاية يحتاج إلى دخل يضمن له حياة مستقرة، وليس فقط إلى الحفاظ على مهنة جميلة لكنها غير قادرة على تأمين متطلبات المعيشة.

الخوف من انقطاع الحرفة بين الأجيال

بدوره، يوضح أمين سر لجنة خان رستم باشا الحرفي فواز كرديش معراوي، العامل في مجال الرسم والتصوير، أن الحرفيين رغم الظروف الصعبة يبذلون جهودًا كبيرة للحفاظ على مهنهم، لكن استمرارها يحتاج إلى تدخل ودعم حقيقي.

ويؤكد معراوي أن منح الحرفيين محال داخل الخان بأجور رمزية خطوة إيجابية، لكنها لا تكفي في ظل ضعف حركة البيع وغياب الدخل المنتظم، مشيرًا إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في عزوف الجيل الجديد عن تعلم هذه الحرف بسبب عدم قدرتها على توفير مصدر رزق.

ويضيف أن بعض أبناء الحرفيين أنفسهم بدأوا يبتعدون عن مهن آبائهم بعدما وجدوا أن سنوات التعلم والعمل لا تؤمن لهم مردودًا ماديًا مناسبًا، ما يهدد بانقطاع سلسلة نقل الخبرة من جيل إلى آخر.

وطالب معراوي بإيجاد أسواق لتصريف المنتجات الحرفية، وتنظيم معارض محلية وخارجية، وتعزيز حضور هذه الحرف إعلاميًا، إلى جانب تقديم دعم مباشر للحرفيين وتأمين المواد الأولية اللازمة لاستمرار الإنتاج.

الحرف التراثية جزء من اقتصاد المدينة

ويؤكد حرفيو الخان أن الحرف اليدوية ليست مجرد أعمال فردية، بل تشكل جزءًا من اقتصاد المدينة وذاكرتها الثقافية، فهي توفر فرص عمل وتحافظ على مهارات نادرة لا يمكن تعويضها في حال اندثارها.

من جهته، يوضح رئيس اتحاد الحرفيين في حماة عبد الوهاب درويش أن الاتحاد يعمل ضمن الإمكانات المتاحة لدعم حرفيي خان رستم باشا، من خلال تنظيم فعاليات ومعارض داخل السوق بهدف تنشيط الحركة وتعريف المواطنين بمنتجات الحرفيين.

وأشار درويش إلى أن الاتحاد يسعى أيضًا لتأمين بعض مستلزمات الإنتاج، مثل المواد الأولية الخاصة ببعض الحرف، والتواصل مع الجهات المعنية لمعالجة الصعوبات التي تواجه العاملين في هذا القطاع.

وأكد أن الحرف التراثية في حماة تحتاج إلى جهود مشتركة بين مختلف الجهات المعنية، لأن الحفاظ عليها يعني حماية جزء من تاريخ المدينة، إضافة إلى دعم عائلات تعتمد عليها في معيشتها.

وبينما يحاول حرفيو خان رستم باشا إبقاء أبواب ورشهم مفتوحة، تبقى هذه المهن أمام اختبار حقيقي: فإما أن تجد طريقها إلى الدعم والتسويق لتستعيد حضورها، أو أن تصبح يومًا مجرد ذكريات محفوظة في كتب التراث.

- Advertisement -

- Advertisement -