لكل السوريين

معاناة الممرضات في عيادات الأطباء بدرعا: ضعف الأجور وحمل الأعباء اليومية

درعا/ رجاء مختار

تتجلى معاناة الممرضات العاملات في عيادات الأطباء بصورة يومية خلف أبواب العيادات المغلقة، في أحياء محافظة درعا المكتظة بالسكان، الممرضات اللواتي يكرسن حياتهن لخدمة المرضى يجدن أنفسهن مضطرات لمواجهة ضغط العمل الشديد، ساعات الدوام الطويلة، وغياب التقدير المالي والاجتماعي اللائق بجهودهن.

سلمى العلي، ممرضة تعمل في إحدى العيادات الخاصة منذ خمس سنوات، تحدثت عن يومياتها قائلة: “نبدأ دوامنا في الصباح الباكر، ونعمل بلا توقف تقريباً حتى نهاية الدوام، ومع ذلك الراتب الشهري بالكاد يغطي احتياجاتنا الأساسية. أحياناً أجد نفسي مضطرة للعمل في أكثر من عيادة لتأمين مصاريف المنزل”.

سلمى تؤكد أن العمل تحت الضغط النفسي المستمر يجعل المهام اليومية أصعب، خصوصاً حين يضاف إليها التعامل مع المرضى الذين لا يفهمون حجم الجهد المبذول. تقول: “نحن نتحمل أعباء كبيرة، من تنظيم المواعيد وتحضير الأجهزة الطبية، إلى متابعة الحالات الطارئة وتقديم الدعم للأطباء، ومع ذلك أجورنا لا تتجاوز الحد الأدنى. هذا شعور محبط جداً”.

وعندما سألناها عن أثر هذا الوضع على حياتها الشخصية، قالت بتنهيدة طويلة: “أحياناً أشعر أنني أعيش عملي فقط، وليس حياتي الخاصة. لم أعد أستطيع قضاء الوقت مع أولادي كما كنت أتمنى”.

ليلى خليل، ممرضة أخرى تعمل في عيادة أسنان، تضيف أبعاداً جديدة لهذه المعاناة، قائلة: “تتعرض الممرضات أحياناً لمواقف صعبة مع المرضى الذين لا يفهمون أننا نقوم بأعمال إضافية خارج نطاق عملنا المعتاد. أحياناً أضطر لتغطية نوبات أطباء آخرين أو مساعدة الزملاء، وكل ذلك بدون أي مقابل مالي إضافي. نحن نعمل كفرق الطوارئ أحياناً دون توقف، وهذا يُثقل كاهلنا الجسدي والنفسي”.

مريم أحمد، وهي أم لطفلين وتعمل في قسم التحاليل الطبية بإحدى العيادات، تحدثت عن الصعوبات المالية المباشرة التي تواجهها نتيجة ضعف الأجور. تقول: “الراتب الذي أتقاضاه بالكاد يكفي لتأمين مصاريف الأطفال. أضطر أحياناً للبحث عن أعمال إضافية بعد الدوام الرسمي، وهذا مرهق جداً نفسياً وجسدياً. أحياناً أعود للمنزل منهكة لدرجة أنني لا أستطيع اللعب مع أطفالي أو مساعدتهم في دروسهم”.

قلة التقدير الرسمي تشكل جانباً آخر من المعاناة. الممرضات يشعرن بأنهن غير محسوبات من قبل أصحاب العيادات أو الجهات الرسمية، فغالباً لا يوجد ضمان صحي أو تأمين اجتماعي، وحتى العطل الأسبوعية تُلغى في أوقات الذروة أو عند الحاجة المفاجئة للعيادة.

سارة الخطيب، ممرضة متخصصة في رعاية الأطفال، تقول: “أحياناً يكون ضغط العمل شديداً لدرجة أننا لا نستطيع أخذ استراحة حتى لتناول الطعام. عندما نطلب زيادة الأجور أو تحسين ظروف العمل، نجد الأعذار والحجج من كل جانب. يبدو أن المسؤولين لا يدركون حجم التضحية التي نقدمها يومياً”.

ضعف الأجور لا يؤثر فقط على الممرضات أنفسهن، بل يمتد تأثيره إلى جودة الرعاية الصحية المقدمة للمرضى. التعب المستمر والإرهاق يجعل الممرضات أكثر عرضة للخطأ، وتأخر تقديم الخدمات يؤدي إلى مشكلات صحية للمرضى في بعض الحالات.

دكتور سامر الحمصي، طبيب في إحدى عيادات القلب، يؤكد: “وجود ممرضات مجتهدات وملتزمات بالرعاية الصحية أمر أساسي. لكن ضعف الأجور يدفع البعض للبحث عن فرص عمل بديلة، وهذا يؤدي إلى نقص الكوادر المؤهلة في العيادات. فجوة الجهد والمكافأة تشكل خطراً على استمرارية العمل وجودته”.

الممرضات يرين أن العدالة المالية والاجتماعية ضرورة ملحة. إنهن يأملن في أن يكون هناك جدول أجور مناسب يضمن حياة كريمة، تأمين صحي، عطلات رسمية، وحوافز تشجعهن على الاستمرار في تقديم أفضل رعاية ممكنة للمرضى.

سلمى العلي تختتم حديثها قائلة: “نحن لا نطلب ثروة، فقط راتباً عادلاً يضمن لنا حياة كريمة ويعكس قيمة مجهودنا. نعمل من أجل صحة الناس، ونتمنى أن تعمل الجهات المعنية من أجل صحتنا نحن أيضاً”.

بين صخب المدينة وضجيج الحياة اليومية، تبقى قصص الممرضات في عيادات الأطباء بدرعا شاهدة على حجم التضحيات اليومية التي يقدمونها بصمت.

من جهد مضاعف وساعات طويلة إلى راتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، تبقى الحاجة ماسة لإصلاح شامل يضمن حقوق الممرضات ويعزز استقرار القطاع الصحي الخاص، الذي يعتمد في جوهره على هؤلاء النساء اللواتي يسهرن على صحة المواطنين بصمت وتفانٍ. من دون ذلك، يظل مستقبل الرعاية الصحية في خطر، وتظل الممرضات مضطرات لتحمل عبء وظيفي وجسدي ونفسي أكبر من قدرتهن الطبيعية.

- Advertisement -

- Advertisement -