لكل السوريين

رحلة يومية بين التعب والانتظار: طلاب دمشق والمعاناة مع المواصلات

دمشق/ مرجانة إسماعيل

يعرف كل طالب في دمشق جيداً معاناة التنقل اليومي من المنزل إلى المدرسة أو الجامعة، حيث تتحوّل المواصلات إلى كابوس يومي يستهلك الوقت والطاقة ويزيد من الضغوط النفسية والجسدية على الطلاب. في العاصمة السورية، حيث ازدحام الشوارع والطرق المتداعية يشكلان جزءاً من المشهد اليومي، يجد الطلاب أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج: الوصول في الوقت المحدد وبينما يواجهون صعوبات اقتصادية واجتماعية، ويضطرون للتكيف مع ظروف المواصلات غير الملائمة.

تختلف قصص الطلاب باختلاف أحياء دمشق ومسافات التنقل، لكنها تتشابه في الألم والصبر الطويل. ليلى، الطالبة في كلية الآداب، تبدأ يومها الساعة الخامسة صباحاً لتلحق بالحافلة الأولى. تقول: “أحيانًا أقف أكثر من ساعة على الموقف، وأرى الحافلة تمر أمامي ممتلئة، لا أستطيع اللحاق بها، وأضطر للانتظار حتى القادمة”. هذا التأخير اليومي لا يكلفها الوقت فقط، بل يؤثر على قدرتها على التركيز في المحاضرات، ويتركها مرهقة قبل أن تبدأ يومها الدراسي.

محمد، طالب في كلية الهندسة، لديه قصة أخرى. يضطر للانتقال بين ثلاث وسائل نقل للوصول إلى جامعته، بما فيها حافلة مزدحمة وسيارة أجرة للدقائق الأخيرة. يقول: “أحيانًا أصل إلى الجامعة متأخرًا بعد ساعتين من الرحلة، أبدأ اليوم وكأنني أنجزت نصفه بالفعل في الطريق”. محمد يضيف أن هذا الإرهاق اليومي يؤثر على أداءه في الدروس والمشاريع العملية، ويجعل من كل يوم امتحاناً للصبر والتحمل.

أما سامية، وهي طالبة من ضاحية قديمة في دمشق، فتواجه مشكلة مالية إضافية. “أحياناً لا أملك المال لأركب سيارة أجرة، وأضطر للانتظار ساعات طويلة على الحافلات المكتظة، أحياناً أغضب من نفسي ومن الوقت الذي أضيعه، لكن ليس لدي خيار آخر”. سامية تضطر أحيانًا إلى تخطي وجبة الإفطار للتمكن من دفع ثمن المواصلات، ما يضاعف شعورها بالتعب والإرهاق قبل أن تبدأ يومها الدراسي.

تشير شهادات الطلاب إلى أن ساعات الانتظار الطويلة على المواقف والازدحام المستمر في الحافلات والسيارات العامة أصبح جزءًا لا يتجزأ من الروتين اليومي. بعض الطلاب يضطرون إلى الاستيقاظ قبل الفجر لمجرد اللحاق بوسيلة نقل تقلهم إلى جامعاتهم أو مدارسهم، بينما يجد آخرون أنفسهم عالقين في ازدحام مروري خانق يصل أحيانًا إلى أكثر من ساعة ونصف في طريق لا تستغرق عادة أكثر من نصف ساعة.

تكشف هذه المعاناة عن جوانب اقتصادية أيضاً. مع ارتفاع أسعار النقل وتأخر وسائل المواصلات الرسمية، يلجأ بعض الطلاب إلى سيارات الأجرة الخاصة، رغم تكلفتها الباهظة بالنسبة لدخل عائلاتهم، بينما يعتمد آخرون على الحافلات المكتظة أو الدراجات النارية غير الرسمية، معرضين أنفسهم لمخاطر الحوادث أو التأخير. الطالب رامي، الذي يدرس الطب، يقول: “أحيانًا أضطر لدفع ضعف المبلغ المعتاد لمجرد اللحاق بمحاضرتي، وهذا عبء إضافي على ميزانية الأسرة، ويجعلني أفكر جدياً في ترك الجامعة لو استمر الوضع هكذا”.

إضافة إلى الضغط المالي، هناك الأثر النفسي والاجتماعي لهذه المواصلات المتعبة. يؤثر الانتظار الطويل والزحام اليومي على الحالة النفسية للطلاب، ما يزيد من مشاعر التوتر والقلق والتعب المستمر. بعض الطلاب يلجأون إلى استخدام الهواتف المحمولة أو سماعات الموسيقى لتخفيف التوتر أثناء الرحلة، لكن هذا لا يعوض عن الإرهاق المتراكم يوماً بعد يوم. كما يؤثر التأخير المستمر على التفاعل الاجتماعي والمشاركة في الأنشطة الطلابية، حيث لا يستطيع كثيرون الالتزام بالمواعيد المحددة للدوام أو النشاطات اللامنهجية.

البنية التحتية للمواصلات في دمشق تواجه تحديات كبيرة. الحافلات العامة قليلة العدد، معظمها قديم، وتفتقر إلى الصيانة المنتظمة، كما أن خطوط النقل محدودة وتخدم مناطق معينة فقط، مما يضطر الطلاب للانتقال بين أكثر من وسيلة للوصول إلى مقصدهم. الطرق غير المعبدة بشكل جيد أو المتضررة نتيجة الإهمال أو مرور المركبات الثقيلة تزيد من مدة الرحلة، وتجعل تجربة التنقل أكثر إرهاقاً.

أحد الحلول التي يلجأ إليها بعض الطلاب هو استخدام وسائل النقل البديلة مثل الدراجات الهوائية أو المشي لمسافات قصيرة، لكن هذه الخيارات محدودة حسب المسافة والطقس والظروف الأمنية. وفي ظل غياب حلول حكومية واضحة، يعتمد الطلاب على التكيف الشخصي والتنقل المبكر لتجنب الضغط اليومي، لكن هذا لا يخفف من وطأة المشكلة بشكل كامل.

قصص الطلاب اليومية تبرز حجم الإرهاق النفسي والجسدي الذي يرافقهم. أحمد، طالب في كلية الاقتصاد، يروي: “أحياناً أعود إلى المنزل منهكاًجداً لا أملك حتى القدرة على المذاكرة، أحيانا أفكر هل يستحق كل هذا التعب من أجل الدراسة؟”. بينما تقول ندى، طالبة في المدرسة الثانوية: “أحيانًا أتمنى أن يكون هناك نظام نقل أفضل، أن تكون هناك حافلات مخصصة للطلاب، لأن كل يوم رحلة صراع من أجل الوصول والعودة”.

لكن؛ هل ستتخذ الجهات المختصة خطوات جدية لتحسين واقع النقل الطلابي في دمشق؟ مع استمرار التكدس، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف صيانة الحافلات، يبدو أن الطلاب سيستمرون في المعاناة اليومية بين التعب والانتظار، مؤكدين أن كل رحلة إلى المدرسة أو الجامعة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل اختبار يومي للصبر والقدرة على التحمل.

لا تعتبر المواصلات في دمشق مجرد وسيلة للوصول من نقطة إلى أخرى، بل تجربة يومية تعكس التحديات الاقتصادية والاجتماعية واللوجستية التي يواجهها الطلاب، وتجعل من كل رحلة رحلة صبر وإرهاق متواصل، وسط انتظار لجهود فعلية تعالج المشكلة وتعيد للطلاب حقهم في التنقل بأمان وسهولة.

- Advertisement -

- Advertisement -