درعا/ رجاء مختار
تعيش النساء في محافظة درعا، صراعاً صامتاً بين ما يردنه لأنفسهن وما يُفرض عليهن من أدوار متوارثة. بدت السنوات الأخيرة كفترة كشفت كثيراً من التناقضات داخل المجتمع، إذ دفعت الحرب وانهيار البنى الاقتصادية والاجتماعية عدداً كبيراً من النساء إلى العمل خارج البيت، لكنه دفع في الوقت نفسه بالأعراف نحو مزيد من التشدد داخل البيوت. وعند هذا التقاطع يقفن: امرأة للمجتمع والدور العام، وامرأة للعائلة والدور التقليدي. وبين الهويتين تتشكل قصص كثيرة، بعضها صاخب وبعضها لا يُروى إلا فِي الصمت.
في بلدة اليادودة، تبدأ قصة رنيم، الشابة التي تعمل موظفة في منظمة محلية تُعنى بدعم الأسر المتضررة. تُعرف بين زملائها بنشاطها وإصرارها على تقديم المساعدة، حتى إن بعض الأهالي في القرى المجاورة يصفونها بأنها “بنت درعا كلها”، لأنها لا تتردد في التنقل بين البيوت المنكوبة، توثّق الاحتياجات وتتابع شؤون النساء اللواتي فقدن المعيل.
لكن داخل بيتها، تنقلب الصورة كلياً؛ فوالدها يعتبر خروجها اليومي “مبالغة غير ضرورية”، ويرى أن عملها يجعلها “مكشوفة أكثر من اللازم”. وفي كل مساء، حين تعود مرهقة بعد متابعة عشرات الحالات، تجد نفسها مطالبة بتبرير تأخرها وبشرح تفاصيل يومها كأنها مطالبة بإثبات براءتها. تقول رنيم لزميلتها: “في الخارج أنا امرأة حرة، وفي البيت أشعر أنني مجرد أداة لتنفيذ ما يُتوقع مني”. وبين هذا وذاك، تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين طموحها ومكانتها داخل عائلتها التي ترى في التغيير تهديداً، لا فرصة.
أما في مدينة جاسم، فحكاية صفاء تبدو مختلفة لكنها تحمل القلق ذاته. صفاء، وهي أم لولدين، بدأت تدريس مادة العلوم في مدرسة ابتدائية بعد تحسن الأوضاع نسبياً. كانت تحلم منذ صغرها بأن تكون معلمة، لكن الحياة أخذتها إلى زواج مبكر ثم أمومة متسارعة. بعد سنوات من الانقطاع، عادت إلى مقاعد التدريب ثم إلى المدرسة، وهناك اكتشفت نفسها من جديد. الطلاب يحبون أسلوبها اللطيف، والمديرة تعتمد عليها في تنظيم الأنشطة، بينما تُشاد بها في الاجتماعات على أنها نموذج للمرأة القادرة على إدارة بيتها ومهنتها.
لكن زوجها لا يرى في كل ذلك إلا “انشغالاً زائداً”، ويردد دائماً أنها “لم تعد كما كانت”. وفي جلسات المساء، تقول صفاء لصديقتها: “أشعر أحياناً أن عليَّ الاعتذار لأني أحب عملي”. ذلك الاعتذار غير المعلن هو جزء من العبء الذي تحمله كثير من نساء درعا اللواتي يُسمح لهن بالعمل بشرط ألا يهتز النظام العائلي القائم على الطاعة.
وتبرز قصة ثالثة في بلدة نوى، حيث تعيش هبة، وهي أرملة فقدت زوجها قبل أربع سنوات. اضطرت إلى العمل في محل خياطة صغير، ثم توسّع عملها شيئاً فشيئاً لتصبح معروفة على مستوى البلدة. تُصفّق لها النساء لأنها وفّرت دخلاً لعائلتها، وتقدّرها الأرامل الأخريات لأنها من أوائل من شققن الطريق أمامهن للعمل.
ومع ذلك، تعيش هبة نوعاً مختلفاً من الصراع، فبعض أفراد عائلتها يعتبرون خروجها للعمل “ضرورة اضطرارية” وليس “حقاً مشروعاً”، ويتوقعون منها العودة إلى حياتها القديمة حين يكبر أولادها أو حين تتزوج مجدداً. تقول هبة في حديث تخيلي: “كلما حاولت أن أكون مستقلة، يذكرونني بأن استقلالي مؤقت”. وهكذا، رغم نجاحها وجرأتها، يظل سقف الحرية مفروضاً عليها، سقفٌ يعلو قليلاً ثم ينخفض بحسب نظرة المجتمع.
هذا التناقض بين الدور التقليدي والدور العام يُثقل كاهل المرأة في درعا ويجعلها تعيش في حالة من الانقسام العاطفي والنفسي. فهي في الخارج مطالبة بأن تكون قوية، منتجة، قادرة على إعالة أسرتها، بينما في الداخل يُعاد تقييمها بناءً على طاعتها وصمتها ومدى خضوعها لمنظومة الأسرة الممتدة. ويرى كثير من الأهالي أن العمل حاجة اقتصادية، لا تطور اجتماعي، ما يجعل المرأة “مسموحاً لها بالإنجاز” طالما لا يتجاوز حدوداً غير مرئية.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل التحولات التي بدأت تظهر في الجيل الجديد. فطالبات الجامعات في درعا — رغم حضورهن المحدود — أصبحن أكثر جرأة في المطالبة بحقوقهن في الدراسة والعمل. فتيات مثل ليا من بلدة إنخل، التي تصر على إكمال دراستها في كلية الحقوق رغم اعتراض والدها، ترى أن المرأة “ليست نسخة مكررة من نساء الماضي”.
تقول ليا: “نستطيع أن نكون بنات هذا البيت وبنات هذا الوطن في الوقت نفسه”. وهذا الصوت، الذي كان خافتاً قبل سنوات، بدأ يتحول إلى موقف جماعي لدى كثير من الفتيات اللواتي يشاهدن نساء مثل رنيم وصفاء وهبة ويدركن أن الواقع يمكن تغييره، ولو تدريجياً.
لكن الطريق ليس سهلاً، فالأعراف المتجذرة، والقوانين غير المنصفة، والنظرة التقليدية لدور المرأة، كلها عوامل تجعل التغيير بطيئاً ومقاوماً.
ومع ذلك، يظهر أن نساء درعا، رغم كل القيود، بدأن في كتابة هوية جديدة لأنفسهن. هوية لا تلغي البيت ولا تتخلى عن المجتمع، بل تخلق مساحة مشتركة بين الاثنين. إنهن لا يطلبن امتيازات استثنائية، بل اعترافاً بإنسانيتهن، بحقهن في أن يكنّ شريكات لا توابع، وبأن يُقاس دورهن بما يقدمنه فعلاً، لا بما تتوقعه منهم الأعراف.
ويبدو أن المرأة في درعا تعيش معركة قديمة في زمن جديد؛ معركة بين صورتين، بين هويتين، بين ما تريد وما يُراد لها. وحتى يتحقق التوازن الحقيقي، لا بد من إعادة تعريف أدوار النساء داخل المجتمع، بحيث تصبح المرأة شريكاً كاملاً في صناعة المستقبل، لا مجرد انعكاس لماضٍ طويل من التقييد.