لكل السوريين

جسر الرستن: شريان متهالك يعرقل أعمال السوريين في حمص

حمص/ بسام الحمد

كان سائق الشاحنة سامر قد استعد لنقل بضائع إلى مدينة حمص في صباح باكر من أحد أيام ريف مدينة الرستن شمال محافظة حمص، محملاً بمحصول زراعي من بساتين البرتقال التي تعمل أسرته فيها منذ سنوات. عند وصوله إلى مدخل الجسر، توقّف فجأة أمام حاجز لشرطة المرور، وكُتب على لافتة معدنية “مرور الشاحنات ممنوع – تحويلة عبر سلمية”. الشاحنة التي كانت في الطريق إلى السوق الكبير في حمص أصبحت الآن محمولة على أمل متعثّر، بسبب حالة الجسر التي تأثرت بشدة خلال سنوات الحرب والإهمال المكثّف.

يُعدّ جسر الرستن أحد المحاور الرئيسية التي تربط شمال سوريا بجنوبها، ويُشكل جزءاً من الطريق الدولي المعروف بـ طريق M5، الذي يربط مدينتي حلب ودمشق مروراً بحمص وحماة. لكن الحرب التي اجتاحت البلاد دفعت هذا الشريان الحيوي إلى حالة من التهالك الشديد، فالعشرات من القذائف الجوية استهدفت الجسر، والتحويلات تُفرض باستمرار، ما جعل الحركة التجارية اليومية تمرّ بعقبات جسيمة.

منذ أكثر من عقد، كان الجسر يُستخدم من قبل مئات الشاحنات يومياً، تنقل البضائع من شمال البلاد إلى الجنوب، وتوزّع المنتجات الزراعية من حمص إلى الريف الشمالي والعكس بالعكس. لكن اليوم، ومع التحذيرات المتكرّرة من انهياره، أصبح عدد الشاحنات التي تعبره معدوداً، ومعظمها مُقيّد الوزن أو مُحوّل إلى طرق أطول وأعلى تكلفة. حسين، عامل نقل محلي، يقول: “لم نعد نحمّل فوق 12 طناً عبر الجسر خوفاً من ما قيل إنه تذبذبات في الدعائم، أخاف أن تسقط معنا الشحنة”. كما أضاف أن تكلفة التحويلات والوقت الضائع ترفع أجور النقل، ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي أو التجاري للمنتج والمستهلك معاً.

القصّة لم تتوقف عند النقل وحده: المزارع عمر، الذي يملك بستاناً قرب الجسر، واجه تراجعاً في طلبه على البرتقال بسبب ارتفاع تكاليف النقل والتأخير في الوصول إلى السوق. يقول عمر: “أرباحنا كانت مستقرة، لكن اليوم تقريباً نصف ما كانت عليه لأن الشاحنة تتأخر ساعتين أو ثلاث، والفلاح لا يستطيع الانتظار”. هذا التأخير انعكس بالإحباط على العمال الموسميين الذين باتوا يفضّلون الذهاب إلى مناطق تكون فيها الحركة مضمونة، ما أثر على دورة الإنتاج الزراعي وسلاسل التصدير المحلية.

سبب التفويض بإغلاق أو تقييد استخدام الجسر واضح: تقارير محلية أطلقت تحذيرات من خطر انهيار الجسر، حيث أُغلِقت حركة السير عبره نهاية ديسمبر 2024 من قبل وكالة الأنباء الرسمية، بسبب “خطورة العبور عليه”. كما أعلن فرع المرور بحماة تحويل حركة الشاحنات الثقيلة إلى طريق سلمية البديل، نظراً لحالة الجسر التي وصفت بأنها تهدّد السلامة العامة.

الحملة الإعلامية التي أطلقها نشطاء من الرستن وحمص سلطت الضوء على الوضع المأزوم، حيث وصفوا الجسر بأنه “على شفا كارثة” لعدم الصيانة المتواصلة والتعرض للقصف المتكرر. وبينما الجهات المعنية أعلنت بدء أعمال تأهيل الجسر بكلفة بلغت نحو مليوني دولار، فإن تنفيذ المشاريع يحتاج لوقت والمشاغل كبيرة.

ولنقص الإمكانات والبنى التحتية خرجت قصص كثيرة من الميدان: المزارعة ندى، التي تقيم قرب مدخل الجسر، اضطرت عام 2025 لنقل إنتاجها من الزيتون إلى سوق محلي أقرب بسبب رفض صاحب الشاحنة المرور عبر الجسر. تقول: “بدّلنا طريقنا من شمال حمص إلى شرقها لأن جسر الرستن لا يقبل سيارات كبيرة، وظلت البضائع تنتظر”. كذلك، عامل قطاع النقل خليل يناشد الجهات المعنية: “نحتاج بدائل، ليس مجرد ترميم. الطريق البديل أطول بـ60 كم، والوقود زاد، وبالتالي تسعير الحمولة أصبح عبئاً أكبر على المزارع”.

التأثير الاقتصادي لا يقتصر على النقل فقط، بل على الإنتاج نفسه. الأهالي الذين كانوا يعتمدون على التصدير إلى محافظات أقرب يعانون اليوم، إذ أن تأخير الوصول أو تحويل الشحنات يخل بتواريخ الحصاد، ما يؤدي إلى تلف الثمار أو انخفاض جودتها. كما أن الأسعار في السوق تصبح أقل تنافسية مع التكاليف الإضافية للمزارع.

تُعدّ الحالة الأمنية والعسكرية جزءاً من المشكلة أيضاً؛ فالقصف المتكرر للجسر كان هدفه قطع الطريق على القوات التي كانت تستخدمه للوصول إلى حمص من حماة، ما زاد من الأضرار به. ومع أن إعادة التأهيل بدأت، فإن إعادة فتحه بكامل طاقته تحتاج إلى ضمانات فنية وتدابير مستدامة، بما في ذلك حصر الأوزان المسموحة والصيانة الدورية.

من الناحية الاجتماعية، فإن تعطّل الشريان يضرب الأسر التي تعتمد على النقل أو العمل في محيط الجسر. العديد من الشاحنات توقّفت، وعمال النقل والمساعدين أصبحوا بلا عمل أو يقلّ عددهم، والمزارعون الذين كانوا يعتمدون على السوق البعيدة تواجههم خسائر. قصّة الشاحنة التي تنتظر تحويلة عبر سلمية قالتها سارة، العاملة في شحن البرتقال: “كنا نفرح بالتحويلة بسرعة، أما اليوم فقد أصبحت تراجيديا نصعدها كل صباح”.

جسر الرستن شريان حياة نقل وتجاري في وسط سوريا. حالة التدهور التي يعانيها تضع مئات المزارعين والنقلين والأسر على الاقتصاد اليومي في خطر. وبينما يتوقع أن يعود إلى الخدمة بعد عملية التأهيل، يبقى السؤال: هل سنشهد مستقبلاً مشروعاً متكاملاً لطرق بديلة أو دعم صيانة مستدام، أم سيبقى هذا الشريان مهدّداً بالتوقف أو الانهيار؟ ما هو مؤكد أن آلاف العائلات تنتظر الإجابة، وحين يعود الجسر إلى الخدمة الكاملة فإن ليس حمل الشاحنة فحسب سيُحل، بل يُفتح مجرى الأمل من جديد لحياة اقتصادية أكثر استقراراً.

- Advertisement -

- Advertisement -