دمشق/ مرجانة إسماعيل
حيث تتراص المتاجر القديمة في شارع الثورة بدمشق، وتتحرك السيارات بعجلة الحياة اليومية، يقف الطفل مازن على رصيف مقصود، يمدّ يده بكل هدوء نحو نافذة سيارة متوقّفة، ينظر إلى قائدها بعينين كبيرتين تحملان أكثر من عمره. كان يرتدي سترة متهالكة، لم يكتمل زرّها، وفي صوته صوت خفٍّ يقترن بتردد: “مفيش عندك؟” تقول والدته إن مازن – الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره – خرج من البيت منذ الصباح الباكر لبيع بعض العلكة، وإذا لم يُقدم ما يكفي لجلسته، فإنه يتحول إلى التسوّل. وفي هذه الزاوية من العاصمة، وُلدت لحظة بدا فيها أن الطفولة تُقايض بالفضول والملل، وبأن البراءة تُستبدل بكلفة عالية لا يدفعها الراشدون وحدهم.
وفي حيّ القيمرية، الذي يصعد إليه نهر من البشر يومياً، تتوسل الطفلة نور لمن يمرّ قرب كشك القهوة. لا تتجاوز العشر سنوات، تحمل دفتراً صغيراً فيه بعض صفحات التلوين والبسكويت الأجوف. تقول بصوت واثق: “والدّي مريض، ومفيش شغل، وأنا لازم أساعد”. لا تتوقّف عند هذا الحدّ، بل تفتح كيساً صغيراً أمامها يحتوي على زجاجات مياه معدّة للبيع. ومع أن الشرنقة برؤية عينها، والمارة يتحاشون النظر، إلّا أن يدها الصغيرة لا تتراجع. قصة نور – وإن بدت مصمّمة – تحمل كمدٍّ عميق، إذ إن ما تطلبه لا يُسدّ جوعاً أو عطشاً فقط، بل يُحمّلها مسؤولية أكبر من عمرها.
الظاهر أن ظاهرة “أطفال التسوّل” في دمشق ليست مجرد عرض عابر لليد الممتدة، بل أصبحت حضوراً منتشراً في الأزقّة والميادين، بحيث تشير التوثيقات الصحفية إلى أن عدد الأطفال الذين يمارسون التسوّل في العاصمة ارتفع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، نتيجة أزمة اقتصادية خانقة، وتفكك أسر، ونقص في برامج الحماية. وحسب تقرير صادر عن منظمة تدخل دولية، فإن بعض هؤلاء الأطفال يجمعون بين التسوّل والعمل في الشارع كأحد مصادر دخل الأسرة، وهو ما يجعلهم عرضة للإهمال والانحراف.
حين تجولت في أحد الأحياء القديمة، وقع نظري على مجموعة من الأطفال يجلسون بانتظار ما يُعطون. كان بينهم الطفل ياسر (9 سنوات) ورفيقه محمد (7 سنوات)، الاثنان حصلا على بطانية رقيقة يقيمان عليها عند أعمدة الإنارة. قال محمد بصوت خافت: “نبات هنا لأنّ صاحبنا قال إننا لازم نجيب فلوس اليوم وإلّا ما ننام ببيت”. صاحبه ياسر أضاف: “عينينا تعبوا، لكن مشكلتنا أكبر… فالبيت ماعاد فيه حدّ معنا”. لم يذكروا أمه أو أباً تحدّث معهم. كانا يتبادلان نظرات الخوف مع المارة، وكأن الرصيف أصبح مكاناً مؤقتاً لانتظار شيء غير معلوم.
المنظورات الاجتماعية تؤكد أن هذه الظاهرة ذات أبعاد متعددة: تتفاعل فيها عوامل الفقر والبطالة والتهجير والتغيّر المجتمعي، مع ضعف مؤسسات الحماية والتعليم. تقول خبيرة اجتماعية في دمشق: إنه لا يمكن اقتلاع مشكلة أطفال الشوارع بما يماثل علاجاً سحرياً، إذ إن الطفل الذي يبيع الورود أو يعنّف نفسه أمام زجاج سيارة ليس حالة فردية فقط، بل انعكاس لعدة إخلالات: في الأسرة، في المدرسة، في الحماية، في اقتصادٍ عاجز عن توفير الحدّ الأدنى لعيش كريم.
إحدى تلك الإخلالات هي الاستغلال المباشر أو غير المباشر للطفل من قبل بعض المجموعات التي تستغل وضعه الاقتصادي لإجباره على التسوّل أو بيع منتجات بسيطة. تمّ رصد حالات في دمشق يُدفع فيها مبلغ يومي يتمّ قبوله من الطفل لصالح “المشغّل”، علماً بأن الطفل لا يملك فرصة للتعليم، أو حقّاً في اللعب أو النوم الكافي.
وقد تحولت الشوارع والمواقف إلى فصلٍ خاص للأطفال – لا مدرسة فيه، ولا راحة، بل مراقبة مستمرّة وضغط مستمرّ. تقول الطفلة سارة، التي تقدّمت بزوج من العلكة: “نصّ اليوم نوقف هنا، وفي الليل ننام في حجرات بلا شبابيك، أو نلهث خلف الأكياس فوق المقالب”. صوتها مليء بالهدوء، لكنه يفصح أكثر مما تقول الكلمات عنما تختزنه طفولتها من ضغطٍ وتعب.
المهم أن الحلّ لا ينبع فقط من تقديم صدقة عابرة، بل من بناء بيئة مستدامة: تعليم، رعاية، تدخّلات مجتمعية، قوانين واضحة، ولجنة مراقبة فعّالة لتطبيقها. ففي دمشق، بدأت بعض الجمعيات بتقديم برامج دعم للأطفال المعرضين، لكن التحدي يبقى كبيراً، إذ إن ظاهرة التسوّل ليست أخيراً موجة عابرة بل حالة متعمدة ومنظّمة إلى حدّ كبير، تتداخل فيها الظروف الاقتصادية مع شبكات استغلال الأطفال.
في دمشق التي تفتخر بتاريخها العريق وأزقّتها التي روت حكايات وحكايات، يقف هؤلاء الأطفال سرّاً تحت أضواء السيارات. ليسوا مجرّد طلبة، ولا مجرّد بائعين، بل هم بصمة أزمة كبيرة. إن صوت مازن ونور وسارة الذين نراهم ونحن نركب الحافلة صباحاً، هو صوتٌ يُناشدنا أن ننظر، لا أن نتجاوز. أن نوقف مقعدنا، لا أن نشدّد المسير. أن نشارك في صياغة غدٍ لا يحتاج فيه طفلٌ إلى مدّ اليد، بل يشارك، ويحلم، ويصنع فراشاً من ورق، لا من الخرابيش.