درعا/ رجاء مختار
تعيش أزمة النزوح السورية في عام 2025 حالة من التعقيد المتزايد بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على اندلاع الحرب، إذ تتقاطع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لتشكّل واقعاً مريراً يعيشه النازحون داخلياً داخل سوريا واللاجئون السوريون في دول الجوار، من تركيا إلى لبنان والأردن والعراق.
ورغم تغيّر بعض ملامح الأزمة خلال العامين الأخيرين، مع الحديث المتكرر عن عودة أعداد متزايدة من اللاجئين إلى سوريا، إلا أن الظروف الفعلية على الأرض ما تزال شديدة الهشاشة، خصوصاً على صعيد السكن والأمن الغذائي والعمل وتوفّر الخدمات الأساسية. وبرغم الجهود المحلية والدولية، تتراجع قدرة الاستجابة الإنسانية نتيجة الانخفاض الحاد في التمويل العالمي وتزايد الأزمات المتزامنة في مناطق أخرى من العالم، مما يضع السوريين بين ضغوط يومية لا تنتهي وآمال متجددة في انفراج يبدو بعيد المنال.
يُقدَّر أن ملايين الأشخاص ما يزالون في حالة نزوح داخلي ضمن الأراضي السورية، موزعين بين مخيمات شمال غرب البلاد ومناطق ريفية أو حضرية تضررت بناها التحتية خلال سنوات الصراع. في عدة محافظات، يشكّل السكن أكبر تحدٍّ يومي، حيث تعيش كثير من الأسر في خيم مهترئة أو مبانٍ شبه مهدمة أو غرف مستأجرة مرتفعة التكلفة مقارنة بالدخل المحدود.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تظهر معاناة إضافية تتمثل في نقص مواد التدفئة وغياب العزل الجيد وتضرر شبكات الكهرباء. ورغم مشاريع ترميم المنازل التي انطلقت بشكل محدود في بعض المناطق، إلا أنها تبقى غير كافية أمام حجم الدمار الذي راكمته سنوات طويلة من القصف والنزوح. في الوقت ذاته، يتنقل بعض النازحين بين مناطق مختلفة بحثاً عن مأوى أكثر أماناً أو خيارات معيشية أفضل، لكن ذلك غالباً ما يصطدم بارتفاع الإيجارات أو ضعف الخدمات المحلية.
أما الأمن الغذائي، فهو العمود الفقري للأزمة. فقد ارتفعت أسعار المواد الأساسية في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة تراجع القدرة الشرائية وتقلّب قيمة العملة المحلية ونقص الواردات وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية. في كثير من القرى والبلدات، تعتمد الأسر على وجبات بسيطة للغاية، بينما يضطر البعض لتقليل عدد الوجبات اليومية أو الاعتماد على الدين العائلي أو بيع ممتلكات بسيطة لتأمين الغذاء. وبرغم أن المنظمات الدولية ما تزال تحاول تغطية جزء من الاحتياجات، إلا أن انخفاض التمويل خلال العامين الماضيين أجبر هذه المنظمات على تقليص حصص الغذاء أو تقليل عدد المستفيدين، ما أدى إلى زيادة الضغوط على المجتمعات المحلية التي تعاني بدورها من وضع اقتصادي متدهور.
وفي جانب العمل والسبل المعيشية، يواجه النازحون داخلياً تحديات متصاعدة، إذ تندر فرص العمل وتغيب شبكات الحماية الاجتماعية. يعمل معظم الرجال والنساء في مهن مؤقتة كالزراعة أو البناء أو الخياطة المنزلية، وبأجور بالكاد تغطي الاحتياجات الأساسية. كما أدى النزوح الطويل إلى انخفاض فرص التعليم والتدريب المهني، ما جعل شريحة واسعة من الشباب خارج سوق العمل الفعلي. ونتيجة لذلك، تتضاعف الهشاشة الاجتماعية والعائلية، وتزداد مخاطر عمل الأطفال والزواج المبكر، وهي ظواهر باتت أكثر وضوحاً مع استمرار الأزمة الاقتصادية في البلاد.
وفي دول الجوار، يعاني اللاجئون السوريون من واقع لا يقل تعقيداً. ففي تركيا، التي تستضيف أكبر عدد من السوريين، يظل ملف العمل الأكثر حساسية، إذ يعمل كثير من اللاجئين في سوق غير رسمي دون حماية قانونية، وبأجور منخفضة غالباً. ورغم وجود نظام للحصول على تصاريح عمل، إلا أن نسبة القادرين على الحصول عليه ما تزال محدودة بسبب التعقيدات الإجرائية أو رفض بعض أصحاب العمل.
ويأتي ذلك بالتزامن مع نقاشات داخلية في تركيا حول سياسات الاندماج والعودة، مما يزيد من شعور اللاجئين بعدم اليقين رغم سنوات طويلة من الإقامة. وفي لبنان، يواجه اللاجئون وضعاً أكثر هشاشة مع ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة وانكماش الاقتصاد المحلي. يعيش كثيرون في مخيمات أو تجمعات سكنية غير رسمية تفتقر للبنية التحتية، فيما تتراجع الخدمات الصحية والتعليمية بسبب ضعف تمويل الوكالات الدولية. وفي الأردن، ورغم تنظيم الإقامة والعمل بشكل أفضل نسبياً، إلا أن اللاجئين ما يزالون يعانون من ضغوط اقتصادية كبيرة، مع محدودية فرص العمل الرسمية وارتفاع كلفة السكن.
وتؤثر السياسات الحكومية والدولية بشكل مباشر على هذا المشهد، خصوصاً مع تزايد الحديث عن العودة الطوعية للسوريين إلى بلادهم. بعض الحكومات تطرح برامج تشجيعية للعودة في إطار تنظيم وجود اللاجئين على أراضيها، فيما تتبنى منظمات دولية معايير صارمة لضمان أن تكون العودة آمنة وطوعية وكريمة.
هذا التباين يخلق حالة من الضبابية لدى اللاجئين الذين يخشون العودة إلى ظروف غير مستقرة داخل سوريا، أو البقاء في دول تعيش ضغوطاً اقتصادية وسياسية تجعل وجودهم موضع نقاش مستمر. أما التمويل الدولي، فقد شهد تقلصاً ملحوظاً خلال العامين الماضيين نتيجة ازدياد الأزمات الإنسانية حول العالم، مما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والصحة والتعليم في دول الجوار، وهو ما انعكس فوراً على حياة الأسر السورية التي تعتمد على هذا الدعم بشكل رئيسي.
وفي خضم هذه الصورة، تظل القصص الإنسانية الأكثر قدرة على التعبير عن الواقع. في مخيم قرب إدلب، تعيش أم لؤي مع أطفالها الأربعة في خيمة متهالكة منذ خمس سنوات. تستيقظ كل صباح قبل طلوع الشمس لتبحث عن حطب أو مواد قابلة للاشتعال لتدفئة أطفالها، بينما يعمل ابنها البالغ من العمر 12 عاماً في جمع الخردة لمساعدة الأسرة. تقول أم لؤي إنها لا ترغب في العودة إلى قريتها رغم اشتياقها، لأنها تخشى ألا تجد منزلاً قائماً أو مدرسة لأطفالها. وفي جنوب تركيا، يعيش “سامي”، وهو شاب في الثلاثينيات، يعمل في ورشة خياطة بلا عقد رسمي. ورغم أنه بنى صداقات وبدأ يشعر بالاستقرار، إلا أن خوفه من فقدان عمله أو طلب إخلاء سكنه يجعل شعوره بالأمان هشاً.
يحلم سامي بأن يعود إلى سوريا يوماً ما، لكن فقط حين يصبح هناك ما يمكن العودة إليه. وفي لبنان، تقيم “ميساء” مع طفلَيها في غرفة صغيرة داخل مبنى غير مكتمل. تعمل في تنظيف المنازل لساعات طويلة، وغالباً ما تعود مرهقة دون القدرة على شراء اللحوم أو الفواكه. تقول إنها لا تريد سوى تعليم جيد لابنتها وحياة آمنة، سواء بقيت في لبنان أو عادت إلى سوريا أو انتقلت إلى بلد آخر.
تُظهر هذه القصص أن الحرب السورية لم تعد مجرد ملف سياسي أو إنساني، بل صارت واقعاً يومياً يعيشه ملايين البشر الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على التنقل بين خيارات صعبة. ومع استمرار غياب حل سياسي شامل، تبقى الجهود الدولية والمحلية بحاجة إلى تعزيز، ليس فقط لتوفير الإغاثة الطارئة، بل أيضاً لضمان فرص العيش الكريم وإعادة الأمل لأسر أنهكها الانتظار.