دمشق
من قاعة المعهد البابوي في العاصمة الإيطالية روما، أطلق المطران جاك مراد، رئيس الأساقفة السرياني الكاثوليكي في حمص وحماة والنبك، صرخةً تعبّر عن وجع تاريخي أكثر من كونها تصريحاً عابراً: “الوجود المسيحي في سوريا يموت ببطء”.
لم تكن كلماته وصفاً لحالة طائفية معزولة، بل تشخيصاً دقيقاً لمأساة وطنٍ نزف تنوّعه الديني والثقافي على مدار أكثر من عقد من الحرب، فالمسيحيون، الذين عاشوا قروناً كجزءٍ أساسي من الهوية السورية، يواجهون اليوم خطر التحول إلى أقلية رمزية في أرضٍ كانت مهد المسيحية الشرقية.
نزيف ديموغرافي لا يتوقف
جاءت تصريحات المطران مراد خلال فعاليةٍ نظّمتها المؤسسة البابوية “عون الكنيسة المحتاجة” (ACN) في 29 تشرين الأول الماضي، لتقديم تقريرها السنوي حول الحرية الدينية في العالم.
وقال إن الكنيسة في سوريا “تعيش وضعاً لا يحتمل ولا يمكن استمراره”، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وغياب الأمان وانتشار الفقر والبطالة، ما دفع مئات الآلاف من العائلات المسيحية إلى الهجرة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية.
ووفق تقديرات المؤسسة ذاتها، تراجع عدد المسيحيين في سوريا من نحو 2.1 مليون عام 2011 إلى ما يقارب 540 ألفاً عام 2024، أي أن البلاد فقدت أكثر من 75% من مسيحييها خلال الحرب.
ويؤكد المطران مراد أن السبب “ليس دينياً أو طائفياً فحسب، بل سياسي واقتصادي بالدرجة الأولى”، موضحاً: “الناس لم يتركوا الكنيسة، بل تركوا الجوع واليأس والدمار”.
في كلمته، شبّه مراد الوضع السوري بمقدمات ما عاشته أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية، قائلاً: “لم نصل بعد إلى مستوى العنف هناك، لكننا لسنا بعيدين عنه أيضاً”.
وأضاف أن السوريين “لا يعيشون حرية دينية ولا سياسية”، وأن استمرار العنف والانتقام “يقوّض أي حديث عن السلام أو المصالحة”.
كما دعا إلى “خطوات عملية وجريئة من أصحاب القرار لإنهاء دوامة الدم”، معتبراً أن غياب العدالة منذ ستين عاماً بين الدولة والشعب هو أصل المأساة.
وفي مداخلة أثارت اهتمام الحضور، عبّر المطران مراد عن قلقه من احتمال توقيع اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل يتضمن التنازل عن مرتفعات الجولان، قائلاً: “ذلك سيحرم سكان دمشق من مصادر المياه ويجعلهم عبيداً”.
وأضاف متسائلاً: “أين هي قيم حقوق الإنسان التي تضمن عدالة القرارات للطرفين؟”، في إشارة إلى تهميش الإرادة السورية في ملفات السيادة الوطنية.
داعش.. الكابوس الذي هدد المسيحية
لم يكن التهديد الأكبر للمسيحيين السوريين خلال الحرب نابعاً فقط من الفقر والنزوح، بل من ظهور تنظيم “داعش” الذي مثّل أكثر مراحل الخطر الدموي على الوجود المسيحي في المشرق الحديث.
ففي عامي 2014 و2015، اجتاح التنظيم مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، وفرض على السكان المسيحيين في الرقة، ودير الزور، والقريتين، والحسكة، خيارات قاسية، اعتناق الإسلام، دفع الجزية، أو القتل.
وفي مدينة القريتين بريف حمص، حيث كان المطران مراد يخدم في دير “مار إليان”، اختُطف على يد عناصر التنظيم وقضى أشهراً في الأسر.
يروي في شهاداته أنه شاهد “كيف تحوّل الدين إلى سلاح، وكيف استُخدمت العقيدة لتبرير النهب والقتل”، مضيفاً أن التنظيم “دمّر الكنائس، وسرق الأيقونات، وأحرق المخطوطات، وحوّل الأديرة إلى مقار عسكرية وسجون”.
كما نفّذ التنظيم عمليات خطف جماعي بحق مسيحيي الخابور في الحسكة عام 2015، حيث اعتُقل أكثر من 230 مدنياً آشورياً، وأُعدم العشرات منهم لاحقاً.
وفي الرقة ودير الزور، صودرت الممتلكات والبيوت، وأُزيلت الرموز الدينية علناً في مشاهد وثّقتها منظمات دولية ووصفتها بأنها “حملة تطهير ديني”.
هذا الإرهاب الممنهج، كما يقول مراد، “أحدث جرحاً عميقاً في وعي المسيحيين السوريين، وجعل الكثيرين يرون الهجرة خلاصاً لا خياراً”.
من الجذور إلى الغربة
تاريخ المسيحية في سوريا يمتد إلى القرن الأول الميلادي، حيث عرفت دمشق وأنطاكية كنائسها الأولى، وخرج منها بولس الرسول بعد تحوّله الشهير على طريق دمشق.
وفي القرون التالية، لعب المسيحيون دوراً مركزياً في الفكر العربي النهضوي، فكانوا من روّاد الصحافة والتعليم والطب والأدب، ومن أبرزهم فرنسيس المراش، بطرس البستاني، وعبد المسيح حداد وغيرهم.
لكنّ الحرب السورية قلبت المشهد رأساً على عقب، فانهارت البنية الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تؤمن استقرار الوجود المسيحي، وتحوّلت المدن التاريخية إلى رماد.
الكنائس في حمص، وحلب، ودير الزور تضررت أو أُحرقت بالكامل، والبلدات التي كانت تحتفل بالأعياد بصخبٍ ملوّن صارت موحشة ومهجورة.