لكل السوريين

التراث الديني والثقافي في سوريا بين نار النزاع ونداء الهوية الوطنية

درعا/ رجاء مختار

في زمنٍ تتشابك فيه خيوط الحرب والسياسة وتتعالى فيه أصوات الانقسام والدمار، يظل التراث الديني والثقافي في سوريا شاهداً صامتاً على عمق الجذور الحضارية للشعب السوري وعلى قوة انتمائه رغم العواصف. فمنذ آلاف السنين، كانت أرض سوريا مهداً للأديان والحضارات، ومسرحاً لتفاعلٍ إنساني فريد تجسّد في المساجد والكنائس والأديرة والمعابد والمكتبات القديمة التي ما زالت تروي حكاية التنوّع والوحدة. هذه المعالم ليست مجرد أبنية حجرية أو رموز دينية، بل هي جزء من هوية وطنية عميقة تمتد من تدمر إلى دمشق، ومن حلب إلى معلولا، ومن حمص إلى درعا، تعكس روح العيش المشترك الذي ميّز المجتمع السوري عبر القرون.

لقد شكّلت دور العبادة والمعالم التاريخية في سوريا مراكز إشعاع روحي وثقافي جمعت الناس حول قيم التسامح والمعرفة. ففي دمشق، تتجاور المآذن والقباب والكنائس في لوحة فريدة تعبّر عن عمق التنوّع. المسجد الأموي الكبير، الذي شُيّد فوق أنقاض معبد روماني وكنيسة يوحنا المعمدان، يقف اليوم رمزاً حياً للتاريخ المتداخل بين الأديان والثقافات.

وفي معلولا، ما زالت اللغة الآرامية القديمة تُتلى في الصلوات داخل الأديرة والكنائس، شاهدة على استمرارية الهوية الثقافية رغم تقلبات الزمن. وفي حلب، لطالما شكّلت الأسواق القديمة والمساجد والمدارس الدينية والكنائس جزءاً من نسيج المدينة المتجانس الذي يوحّد السوريين على اختلاف أديانهم.

لكن الحرب التي اندلعت عام 2011 لم تترك هذه الرموز في مأمن، بل طالتها يد الدمار والاستهداف والإهمال. فقد تحوّلت المعالم الدينية والثقافية إلى أهداف في صراعٍ معقّد، إذ دُمّرت مساجد تاريخية مثل الجامع الأموي في حلب، وتعرضت كنائس قديمة في حمص ومعلولا لأضرار جسيمة، وأُحرقت مكتبات ومتاحف كانت تحوي آلاف المخطوطات النادرة. لم يكن هذا الدمار مجرّد خسارة مادية، بل ضربة موجعة للذاكرة السورية التي توحّد أبناءها رغم اختلافاتهم. في كثير من الأحيان، كان استهداف التراث الديني يحمل رسائل رمزية، إذ سعى أطراف النزاع إلى محو ما يرمز للوحدة والتنوّع في آنٍ واحد.

الإهمال الذي تلا الدمار فاقم من المأساة. فمع ضعف مؤسسات الدولة وانهيار البنى التحتية، أصبحت الكثير من المواقع التراثية عرضة للنهب والتخريب، وتحوّلت بعض المساجد والكنائس إلى ملاجئ أو مواقع عسكرية. في مناطقٍ فقدت الاستقرار، لم يعد هناك من يهتم بصيانة الجدران المتصدعة أو بحماية النقوش والزخارف التي تحمل تاريخ مئات السنين. المدن القديمة في حلب وحمص ودير الزور أصبحت شاهدة على هذا الإهمال القاسي، إذ تآكلت حجارتها من المطر والغبار، وغابت عنها الحياة التي كانت تضجّ بها قبل الحرب.

أما التحدي الإداري والسياسي، فقد ترك أثراً عميقاً هو الآخر. مع تغيّر السيطرة بين أطراف النزاع، تغيّرت أيضاً الجهة المسؤولة عن إدارة المعالم الدينية والثقافية. بعض المواقع تعرّضت لتغييرات قسرية في طبيعتها أو استخدامها، وتحولت من دور عبادة إلى مقرات عسكرية أو مخازن، فيما فُرضت قيود على ممارسة الشعائر الدينية في مناطق أخرى. هذه التحولات لم تمسّ الأبنية فحسب، بل طالت روح المكان ومعناه، وجعلت الناس يشعرون بأن جزءاً من ذاكرتهم يُسلب منهم قسراً.

ورغم هذه الكارثة، ظل التراث السوري يقاوم بطريقته الخاصة. في خضمّ الدمار، ظهرت مبادرات محلية وشعبية سعت إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. متطوعون في حلب ودمشق وحمص وثّقوا آثار الدمار بالكاميرات، وسجّلوا القطع الأثرية رقمياً خوفاً من ضياعها، فيما نظّم آخرون حملات لترميم المساجد والكنائس جزئيًا رغم شحّ الإمكانات. كما لعبت منظمات دولية، وعلى رأسها اليونسكو، دوراً مهماً في دعم جهود الترميم وتسجيل مواقع سورية مهددة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، مثل مدينة تدمر القديمة ومدينة حلب التاريخية. ومع ذلك، تبقى المسؤولية الكبرى على السوريين أنفسهم في حماية تراثهم باعتباره جزءاً من كيانهم وذاكرتهم الجماعية.

التراث الديني والثقافي في سوريا لا يخصّ طائفة أو جماعة بعينها، بل هو ملك لكل السوريين. فالمساجد الكبرى مثل المسجد الأموي في دمشق، والكنائس العريقة مثل كنيسة أم الزنار في حمص وكنيسة القديس سركيس وباخوس في معلولا، تمثل ذاكرة وطنية جامعة، تحمل في حجارتها رواية التعايش التي ميّزت سوريا عبر العصور. الحفاظ على هذه المعالم يعني الحفاظ على هوية وطنية تتجاوز خطوط الانقسام الطائفي والسياسي، وتؤكد أن التاريخ السوري أعمق من أي نزاع مؤقت.

رغم المآسي، برزت مواقف إنسانية تجسّد روح هذا التراث المشترك. خلال سنوات الحرب، فتحت بعض الكنائس أبوابها لإيواء نازحين مسلمين، فيما استقبلت المساجد جيرانها من المسيحيين الذين فقدوا منازلهم. هذه المواقف أعادت التذكير بجوهر الرسالة الدينية التي توحّد ولا تفرّق، وأثبتت أن الإيمان الحقيقي يتجلى في الفعل الإنساني لا في الجدران فقط. وهكذا، تحوّل التراث الديني في سوريا إلى رمز للمقاومة الإنسانية، وإلى أداة لإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الحرب، يقف السوريون أمام تحدٍ جديد: كيف يمكن إعادة إحياء هذا التراث بعد أن طاله الدمار؟ الترميم لا يعني فقط إعادة بناء الحجر، بل استعادة المعنى. فالمسجد أو الكنيسة لا يعودان للحياة بمجرد ترميم الجدران، بل حين تعود الصلاة والأصوات والاحتفالات إلى داخلهما، وحين يشعر الناس بالأمان في زيارة أماكنهم المقدسة. إن إعادة الاعتبار لهذه المواقع تمثل خطوة أساسية في إعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري، لأنها تذكّر الجميع بأنهم ينتمون إلى تاريخٍ واحدٍ وجغرافيا واحدة، مهما تفرّقت بهم الصراعات.

من المهم أن يترافق أي جهد لإعادة الإعمار مع خطة وطنية لحماية التراث الديني والثقافي وتوثيقه، بحيث تُدرج هذه القيم في المناهج الدراسية وتُشجع الأجيال الجديدة على فهم أهميتها. كما يجب الاستثمار في الترميم والسياحة الثقافية بعد انتهاء النزاع، لأن التراث يمكن أن يكون مصدر أمل واقتصاد في آنٍ واحد، يساهم في تحسين حياة الناس ويعيد لهم الثقة بالمستقبل.

يظل التراث الديني والثقافي في سوريا أكثر من مجرد بقايا من الماضي؛ إنه روح البلاد وجذر هويتها. ورغم ما لحق به من تدمير واستهداف، إلا أن رمزيته لا تزال حية في وجدان السوريين الذين يعرفون أن بقاء هذه الرموز يعني بقاءهم. قد تُهدم المآذن وتُحرق الأيقونات وتُنهب المخطوطات، لكن ما تمثله هذه المعالم من قيم التسامح والانتماء لا يمكن محوه. في زمن النزاعات، يصبح الحفاظ على التراث السوري الديني والثقافي فعلاً وطنياً وإنسانياً في آنٍ واحد، مقاومةً ضد النسيان وضد التفرقة، ودعوةً لإحياء ما يجمع لا ما يفرّق، لأن الهوية السورية ستظل، رغم الألم، نداءً دائماً للحياة.

 

- Advertisement -

- Advertisement -