تقرير/ جمانة الخالد
في محافظتي حمص وحماة، يبدو التعليم المهني بوابةً مزدوجة تحمل في طياتها الأمل والإحباط معاً. فبينما يُفترض أن يُمد المصانع بالعمّال المهرة ويُغذي الأسواق بالحرفيين المؤهلين، يعاني الطلاب في هذا القطاع من نقص الإمكانيات والبنية التحتية، وضعف النظرة المجتمعية، ما يجعل شهاداتهم في كثير من الأحيان مجرد أوراق بلا جدوى حقيقية في سوق العمل.
في أحياء حمص القديمة، يقف علي خميس، الشاب العشريني، أمام ورشة ميكانيك صغيرة، وهو يحاول التأقلم مع واقع صعب بعد تخرجه من تخصص “الميكانيك العام”. يقول علي: “كنت أحلم بأن أجد فرصة عمل مستقرة، لكن السوق يتطلب خبرة عملية لم تُتاح لي في المدرسة، فاضطررت للعمل بأجر محدود في ورشة صغيرة، وأنا أتمنى لو كانت الفرص أفضل.” وفي حماة، تعاني الشابة سلمى ديوب بعد تخرجها من ثانوية الفنون النسوية، إذ لم تجد فرصة لتوظيف مهاراتها في التصميم والخياطة، رغم أنها اكتسبت معرفة عملية مهمة. تقول سلمى: “نُنظر إلينا أحياناً على أننا الطلاب الفاشلون في التعليم العام، لكن ما تعلمناه يمكن أن يكون أساساً لمشروع ناجح إذا توفرت البيئة المناسبة.”
تتفاقم المشكلة بسبب نقص المعدات والمختبرات الحديثة، وضعف المناهج التي لم تواكب التطورات التقنية، ونقص الكادر المؤهل من مدرّسين وورش عمل عملية. ويضيف مدير إحدى الثانويات المهنية في حمص: “التعليم المهني لا يزال يعتمد على الجانب النظري بشكل كبير، وغالباً ما يكون الطلاب بلا تدريب عملي كافٍ، ما يجعلهم يفتقدون الثقة عند دخول سوق العمل.”
النظرة الاجتماعية السائدة تُشكل عقبة أخرى، إذ يُعتبر التعليم المهني خياراً ثانوياً يلجأ إليه الطلاب أصحاب الدرجات الأقل، وكأن نجاحهم في التعليم العام هو المؤشر الوحيد للقيمة. هذه النظرة تحبط الطلاب، وتفقدهم الثقة بأن جهودهم يمكن أن تُثمر، رغم أن دولاً عديدة تعتبر التعليم المهني العمود الفقري للصناعة والاقتصاد المحلي.
رغم كل الصعوبات، هناك أمثلة على النجاحات الفردية التي تعكس إمكانات هذا القطاع. فالشاب منهل حسن، الذي درس الميكانيك والكهرباء الصناعية في حمص، استطاع متابعة دراسته الجامعية في كلية الهندسة، وأصبح نموذجاً يُظهر أن التعليم المهني يمكن أن يكون طريقاً للتميز إذا توفرت الإرادة والدعم. وفي حماة، أطلقت نسرين اليوسف مشروعها الخاص لإنتاج الملابس التقليدية، مستفيدة من بعض المبادرات المحلية، لتثبت أن التعليم المهني قادر على فتح آفاق جديدة للشباب.
إلا أن هذه النجاحات تبقى استثناءات، فالقطاع يعاني من فساد وإهمال منهجي أدى إلى ضعف التحصيل العلمي وتدني مستوى المخرجات، مع غياب الربط بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي. ونقص الكادر المؤهل، وكبار السن من المدرسين، يقوض جهود الطلاب، ويجعل العملية التعليمية غير فعالة، فيما تبقى البنية التحتية للمختبرات والورش في حالة سيئة، وعدم توفر المواد الحديثة يمنع الطلاب من اكتساب مهارات حقيقية.
في محاولة لتطوير الوضع، بدأت وزارة التربية وعدد من المبادرات المحلية تحديث المناهج وربط التعليم المهني بالجامعات والمعاهد التقنية، بالإضافة إلى إشراك الطلاب في مشاريع عملية، وتشجيع المعلمين المؤهلين على العودة للقطاع، وتقديم دورات تأهيلية للكوادر الحالية. كما تم اقتراح برامج تأهيلية للطلاب في بداية العام الدراسي لبناء شخصيات علمية ومهنية، وتطبيق أساليب تدريس حديثة تواكب التطورات التقنية وتمنح الطلاب حافزاً للعمل والابتكار.
يبقى الأمل معلقاً على الشباب في حمص وحماة، الذين يواجهون تحديات كبيرة، لكنهم يظهرون عزماً وإرادة قوية لتجاوز العقبات وإثبات قدرة التعليم المهني على أن يكون جسراً حقيقياً نحو سوق العمل ورافعةً للاقتصاد المحلي. قصص علي ومنهل وسلمى ونسرين تعكس القدرة على التغلب على الصعاب، وتثبت أن مدارس التعليم المهني يمكن أن تتحول إلى بوابة حقيقية نحو مستقبل أفضل إذا توفرت الإرادة والدعم الحقيقي.