لكل السوريين

ثمن الحلم في درعا… ذهبٌ يلمع على حافة الموت

درعا/ رجاء مختار

في أطراف بلدة الطيبة بريف درعا الشرقي، مع أول خيوط الفجر، يُسمع صوت معول يضرب الأرض بإصرار. صوت حادّ يقطع سكون الصباح، يتبعه همس خافت بين ثلاثة شبان. كان أحدهم، ويدعى رامي، يقول مبتسماً: “بعد مترين بس، بنوصل للذهب”. لم يكن يدري أن ذلك “المترين” سيكون آخر ما يفصله عن الحياة. بعد ساعات، انهارت الحفرة فوقهم، فدفنت الحلم والجسد معاً.

رامي، ابن الرابعة والعشرين، كان نجاراً فقد عمله منذ عامين. دخل عالم التنقيب العشوائي بعدما سمع أن جاره وجد قطعة ذهبية باعها بثمنٍ يكفيه لعام كامل. “ما عندي شي أخسره”، قالها لوالدته التي حذرته من “لعنة الذهب”، قبل أن يخرج فجر ذلك اليوم الأخير.

قصته لم تكن استثناءً في درعا، بل أصبحت القاعدة. في محافظة أنهكتها الحرب والبطالة، باتت الحفر العشوائية أكثر من ثقوب في الأرض؛ إنها جروح مفتوحة في جسد المجتمع.

على مدار العام الماضي، تحولت القرى الممتدة بين درعا البلد وبلدة المزيريب إلى ساحات تنقيب ليلي. رجال وشبان وأحياناً أطفال، يحملون فؤوساً وكشافات، يبحثون عن “الكنز التركي” أو “جرّة الذهب الروماني”. بعضهم يصدق القصص، وبعضهم فقط يريد أن ينسى الجوع.

في أحد الأزقة المظلمة، يروي أبو علاء (53 عاماً) قصته وهو يمسح العرق عن جبينه:

“بعد ما فقدت ابني بالحرب، ما عاد عندي شي أخاف عليه. قالوا إن في تلة وراء المقبرة فيها ذهب. اشتغلت بالحفر مع الشباب لثلاث ليالٍ متواصلة. ما طلع معنا غير عظام قديمة وجرّة فخار مكسورة. بس حتى هالعظام رجعت ردمتها بيدي، حسّيت إنو الأرض عم تبكي”.

تتكرر الحوادث، ويختلط التراب بالدم. قبل شهر، في بلدة الحارة شمالي درعا، ابتلعت حفرة أربعة شبان دفعة واحدة. لم يبقَ منهم إلا أصوات الأمهات تصرخ على أطراف الطريق الترابي. من بعيد، كان أحد الشهود يهمس: “الحفرة بلعت أحلامهم قبل أجسادهم”.

بين الحفرة والأخرى، تتسع رقعة الموت بصمت. منذ مطلع العام، وثق ناشطون محليون مقتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص في حوادث انهيار حفر أو انفجار ذخائر قديمة أثناء التنقيب. بعضهم كانوا يبحثون عن الذهب، وآخرون عن “قطعة أثرية” تدرّ عليهم القليل من المال.

في بلدة جاسم، جلس سامر (28 عاماً) على صخرة متشققة، يتأمل الأرض التي دفنت صديقه. يقول: “منعرف إنو خطر، بس شو نعمل؟ الحرب سرقت كل شي. حتى الحلم صار ممنوع. وقت نسمع إنو في جرّة تركية مدفونة، بنركض كأنها طوق نجاة”.

ثم يضيف بابتسامة حزينة: “الذهب صار مثل السراب، نركض وراه، وكل مرة يبعد أكثر”.

وراء هذه الحكايات تكمن مأساة أعمق. غياب السلطة بعد سقوط النظام جعل درعا أرضاً سائبة، مفتوحة لكل مغامر يملك فأساً وكشافاً. لا رقابة، لا قوانين تُطبّق، ولا وعي يردع.

المحامي فؤاد المسالمة يوضح أن “المرسوم رقم 222 لعام 1963 يمنع التنقيب عن الآثار إلا بإذن من المديرية العامة للآثار والمتاحف، والعقوبة تصل إلى السجن 15 عاماً، لكن من يطبّق القانون اليوم؟”.

ويضيف في حديثه: “ما في دولة تراقب، وما في شرطة أثرية، فصارت المسألة تجارة مفتوحة. القطع الأثرية تُباع لتجار من دمشق أو تُهرّب عبر الحدود، والناس تشارك فيها بدافع الجوع لا الجشع”.

في ريف درعا الغربي، يعمل فراس، وهو مدرس تاريخ سابق، على توثيق المواقع التي تتعرض للعبث. يقول بأسى: “كل يوم بنسمع عن حفرة جديدة قرب موقع أثري. بعضها يدمّر طبقات كاملة من الأرض كانت بتخفي أسرار حضارات قديمة. الناس ما بتعرف إنو لما تطلع قطعة أثرية بدون دراسة، بنفقد معها قصة كاملة”.

ويتابع: “كل إناء فخاري أو حجر منقوش هو وثيقة، مش مجرد غرض للبيع. لما يتكسر، بنفقد صفحة من تاريخ المنطقة”.

ويشير فراس إلى أن المواقع الأثرية في درعا، مثل بصرى الشام وتل الأشعري وتل شهاب، تعرضت لنهب واسع خلال السنوات الأخيرة. “اللي محزن أكتر، إنو في شباب بيبيعوا القطعة بخمسين دولار، وهي تساوي علمياً مئات السنين من التاريخ”.

تتداخل المأساة الإنسانية مع الكارثة التراثية. فكل شاب يهبط إلى حفرةٍ باحثاً عن الذهب، يدفن معه جزءاً من الذاكرة السورية. ومع كل انهيار، تتناثر العظام واللقى الأثرية جنباً إلى جنب.

في بلدة خربة غزالة، تجلس أم باسل قرب صورة ابنها المعلقة على الحائط. ابنها قُتل وهو يحفر بحثاً عن “خاتم ذهبي” قيل إنه مدفون تحت بيت مهجور. بصوت متهدّج تقول: “كان يشتغل باليومية، وما لاقى شغل. آخر مرة طلع من البيت قال لي: إذا طلعت قطعة ذهب وحدة، رح أبني بيت جديد إلك. رجع لي بكيس نايلون أسود”.

بين دموعها تضيف: “كلهم بيدوروا عالذهب، بس ما بيعرفوا إنو الذهب الحقيقي كان في قلوبهم”.

أصوات كثيرة ترتفع اليوم في درعا للمطالبة بحملات توعية ومشاريع بديلة للشباب، تعيدهم من باطن الأرض إلى سطحها، إلى الحياة. الناشط الاجتماعي يوسف المحاميد يقول: “لازم نوقف هالظاهرة قبل ما تصير عادة. التنقيب صار مثل المخدر، يُغرّ الناس بالوهم ويقتلهم ببطء”.

ويتابع: “نحتاج برامج تشغيل للشباب، وتعاون مع المنظمات الثقافية لحماية التراث، لأنو إذا استمر الوضع هيك، رح نصحى بعد سنوات نلاقي درعا بلا شباب وبلا تاريخ”.

في المساء، عندما تهدأ الأصوات، تبقى الحفر مفتوحة، شاهدة على جوعٍ لم يُشبع، وعلى حلمٍ ابتلع أصحابه. يمر الأطفال قربها بخوفٍ صامت، فيما النساء يرمين نظراتٍ إلى الأرض كأنهن ينتظرن أن تُعيد لهن أبناءهن.

درعا اليوم ليست فقط مدينة تنزف من الحرب، بل من السراب أيضاً. شبابها يطاردون وهماً يختبئ تحت التراب، بينما يغيب عنهم أن ما يدفنونه في الحقيقة هو مستقبلهم نفسه.

- Advertisement -

- Advertisement -