نقص الأطباء والأدوية يفاقم معاناة سكان تل السمن ونازحي مخيمها شمالي الرقة
الرقة/ حسن الشيخ
تواجه قرية تل السمن شمالي الرقة ومخيمها المجاور أزمة صحية متزايدة بسبب ضعف الخدمات الطبية ونقص الأدوية والأطباء، ما يدفع السكان والنازحين إلى تحمّل تكاليف باهظة لتلقي العلاج في مدينة الرقة، في ظل غياب حلول مستدامة من الجهات المعنية.
تضم القرية الواقعة شمال مدينة الرقة بنحو أربعين كيلومتراً، أكثر من عشرة آلاف نسمة، وتعتمد على مستوصف وحيد تديره إحدى المنظمات الإنسانية بإمكانيات محدودة جداً.
المستوصف الذي يُعدّ المركز الصحي الوحيد في المنطقة يعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، فضلاً عن غياب سيارة إسعاف، ما يجعل التعامل مع الحالات الطارئة أمراً بالغ الصعوبة.
يقول ابراهيم العنزي أحد أهالي القرية: “عندما يمرض أحد أفراد العائلة، نذهب إلى المستوصف ولا نجد سوى الفحص الأولي وبعض المسكنات. إذا احتجنا دواءً خاصاً أو معالجة متقدمة، نضطر إلى التوجه إلى الرقة، وهناك تبدأ المعاناة مع كلفة النقل والعلاج التي لا يقدر عليها أغلب الناس”.
ويؤكد أحد العاملين في المستوصف أن “الدعم المقدم من المنظمة تقلّص بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، ولا يغطي سوى جزء بسيط من النفقات التشغيلية، موضحاً أن المركز يفتقر إلى التجهيزات المخبرية الحديثة وأجهزة الإنعاش، كما أن نقص الكادر الطبي يجعل الخدمات محدودة.
وضع المخيم لا يقل صعوبة
أما مخيم تل السمن القريب، الذي يقطنه أكثر من سبعة آلاف نازح، فيضم نقطتين طبيتين تديرهما منظمات إنسانية مختلفة، إلا أنهما لا تسدان الحاجة الفعلية للسكان بسبب قلة الأدوية وضعف الكوادر، وغالبية العاملين في هاتين النقطتين من الممرضين والمسعفين، في حين لا يوجد سوى طبيب عام واحد فقط يغطي كامل المخيم.
تقول عائشة الأحمد وهي نازحة من ريف تل أبيض تقيم في المخيم منذ أربع سنوات: “إذا مرض أحد أطفالي، أذهب إلى النقطة الطبية لكن الطبيب غير مختص، وغالباً يصف أدوية عامة غير متوفرة. أحياناً أُجبر على شراء الدواء من خارج المخيم بأسعار مرتفعة”.
وتضيف: “نحتاج إلى أطباء اختصاص، خاصة في طب الأطفال والنسائية، لكن لا أحد يستجيب”.
نقص الأدوية وغياب سيارات الإسعاف داخل المخيم يجعل كثيراً من النازحين يلجؤون إلى قرية تل السمن المجاورة بحثاً عن الدواء أو الفحص في المستوصف، بينما يضطر قسم كبير منهم للسفر إلى مدينة الرقة للعلاج في المشافي الخاصة، ما يحمّلهم أعباء مالية كبيرة تتجاوز قدراتهم.
رحلة العلاج المرهقة
توضح شهادات الأهالي أن تكلفة العلاج في مدينة الرقة باتت تمثل عبئاً يومياً على المرضى، يقول احمد العيسى أحد السائقين العاملين في نقل الحالات الطبية: “نقل المريض إلى الرقة يحتاج مبالغ لا يملكها أغلب الناس، وبعضهم يضطر للاقتراض لتغطية أجرة الطريق وثمن الدواء، ناهيك عن تكاليف المشافي الخاصة التي أصبحت باهظة جداً”.
ويشير إلى أن “الوضع الصحي في تل السمن والمخيم المجاور يزداد سوءاً مع مرور الوقت، الحلول المؤقتة التي تتحدث عنها الجهات المعنية لم تُترجم إلى أفعال، والمراكز الحالية لا تواكب احتياجات أكثر من سبعة عشر ألف إنسان”.
ضعف الدعم وغياب الخطط
تراجع تمويل المنظمات العاملة في المنطقة خلال العامين الأخيرين انعكس مباشرة على الخدمات الصحية في المناطق الريفية، إذ تقلّص عدد العاملين وتراجعت كميات الأدوية والمعدات الطبية، وفي تل السمن والمخيم، أدى هذا التراجع إلى إغلاق جزئي لبعض الأقسام وتقليص دوام الأطباء.
يقول أحد المتابعين للشأن الإنساني إن “المشكلة لا تكمن فقط في ضعف التمويل، بل في غياب خطة مستدامة للرعاية الصحية في الريف. ما يجري هو حلول إسعافية مؤقتة، سرعان ما تتوقف بمجرد انتهاء المشروع أو المنحة”.
يطالب سكان تل السمن ونازحو المخيم الجهات الصحية والمنظمات الدولية بتأمين دعم ثابت للمراكز الصحية في المنطقة، وتوفير سيارات إسعاف وأطباء اختصاص دائمين، بالإضافة إلى تجهيز صيدليات المستوصفات بالأدوية الأساسية بشكل مستمر.
كما يدعو الأهالي إلى وضع خطة طويلة الأمد تضمن استمرارية الخدمات الصحية في ريف الرقة الشمالي، وتوزيع الكوادر والمراكز بما يتناسب مع الكثافة السكانية، بدلاً من الاعتماد على المبادرات الموسمية.