لكل السوريين

نساء درعا الموظفات: قصص صمود وتحدي في مواجهة المجتمع

درعا/ رجاء مختار

خرجت مريم العلي، البالغة من العمر 28 عاماً، من منزلها في مدينة درعا جنوبي سوريا وهي تحمل حقيبتها الصغيرة المليئة بالأوراق والملفات. كانت تعمل في مكتب تسجيل الشركات الصغيرة، وكان هذا أول يوم لها بعد قبولها في وظيفة رسمية بعد أشهر من البحث والانتظار.

أثناء سيرها في الشارع، لاحظت بعض نظرات الجيران الذين توقفوا عند أبواب منازلهم وهم يراقبونها، وبعضهم أطلق تعليقات مكتومة عن عمل النساء خارج المنزل. لكن مريم لم تسمح لتلك النظرات أن توقفها، فهي تعرف أن عملها لا يقتصر على كسب المال فحسب، بل هو طريق لتحقيق استقلاليتها ولتعزيز دورها في مجتمع ما زال يتغير ببطء.

تتشارك مريم قصتها مع العديد من النساء في درعا اللاتي وجدن أنفسهن مضطرات للخروج للعمل بعد سنوات من الحرب والاضطرابات الاقتصادية. فاطمة محمد، أم لأربعة أطفال، بدأت العمل في الخياطة منذ أكثر من خمس سنوات بعد أن فقد زوجها مصدر دخله الأساسي.

تقول فاطمة: “لم أكن أريد فقط توفير الطعام لأطفالي، بل كنت أرغب أيضاً في أن أشعر بقيمتي كإنسانة، أن أساهم في بناء حياتنا رغم كل الصعاب”. بالنسبة لها، لم يكن العمل خياراً فحسب، بل كان ضرورة لتحدي النظرة الاجتماعية التي تقلل من قيمة المرأة العاملة.

وفي حي آخر من درعا، نجد أم محمد، أرملة في الأربعينات من عمرها، تقود سيارتها لتوصيل الركاب بعد أن فقدت مصدر رزقها في الخارج. تقول بابتسامة رغم التعب: “لم يكن لدي خيار، كنت بحاجة لإعالة أسرتي.

في البداية، واجهت الكثير من التعليقات السلبية، لكن مع الوقت أصبح الناس يثقون بي ويقدرون جهدي”. قصص مثل قصة أم محمد تبرز كيف اضطرت النساء إلى تحدي الأعراف التقليدية، خصوصاً في الوظائف التي كانت تعتبر حكراً على الرجال.

على الرغم من هذه الأمثلة الإيجابية، يظل المجتمع في درعا يحمل بعض القيود الاجتماعية التي تحد من مشاركة المرأة في سوق العمل. دراسة محلية أظهرت أن معظم النساء يفضلن العمل نهاراً على العمل ليلاً، ويرفضن العمل ليلاً رفضاً قاطعاً بسبب الخوف من الأحكام الاجتماعية وانتقادات المحيطين بهن. هذا التوازن الصعب بين رغبة النساء في العمل وتوقعات المجتمع يمثل تحدياً مستمراً لكل امرأة تسعى لبناء حياتها المهنية.

سارة الحوراني، مسؤولة عن العناصر النسائية في الدفاع المدني بمحافظة درعا، واجهت تحديات أخرى. تقول: “عندما بدأنا إدخال عناصر نسائية إلى الدفاع المدني، كانت النظرة السائدة أن النساء غير مؤهلات للتعامل مع مخاطر العمل الميداني. واجهنا رفضاً ليس فقط من المجتمع، بل من زملائنا الرجال أيضاً”.

ومع ذلك، ومع مرور الوقت، تغيرت المواقف تدريجياً. فقد تلقّت سارة وزميلاتها الدعم من بعض الأهالي، كما أصبح وجود النساء في الدفاع المدني يمثل نموذجاً لتقبل المجتمع للتغيير التدريجي في الأدوار الجندرية.

كما توجد قصص نساء اخترن العمل في مجالات غير تقليدية لتعزيز استقلاليتهن الاقتصادية. سلمى، شابة في منتصف الثلاثينات، تعمل كمحاسبة في إحدى الشركات الصغيرة، تقول: “في البداية شعرت بضغط كبير من العائلة والمجتمع، لكنني كنت مصممة على أن أثبت نفسي.

اليوم أصبح زملائي يقدرون عملي، ومع الوقت لاحظت أن أفراد المجتمع بدأوا يرون المرأة الموظفة بشكل مختلف”. قصص مثل قصة سلمى توضح أن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال، بل أداة لإعادة تشكيل النظرة الاجتماعية تجاه المرأة في المجتمع.

تتعدد قصص النساء في درعا، من موظفات في الإدارات الحكومية، إلى عاملات في التجارة والخدمات، وصولاً إلى العاملات في القطاعات التقنية والصناعية. كل قصة تبرز إرادة المرأة في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وفي نفس الوقت تسلط الضوء على البطء الذي يميز تحول الوعي المجتمعي. فالنساء يواجهن تحدياً مزدوجاً: تحدي الفقر والبطالة من جهة، وتحدي التقاليد والمفاهيم المجتمعية من جهة أخرى.

النساء في درعا أثبتن أنهن قادرات على الجمع بين المسؤوليات الأسرية والعمل المهني. مريم العلي، على سبيل المثال، رغم ضغوط العمل، تحرص على تخصيص وقت يومي لأطفالها، مؤكدة أن النجاح المهني لا يعني التخلي عن دورها كأم، بل يمكن التوفيق بينهما. هذه القصص الإنسانية تظهر أن النساء ليس فقط يسعين لتحقيق استقلالهن المالي، بل يسعين أيضاً لتغيير الصورة النمطية عن المرأة في المجتمع.

إرادة النساء في درعا للعمل والمشاركة في المجتمع أوجدت تأثيراً تدريجياً على المجتمع نفسه. ففي المكاتب والمدارس والمشاريع الصغيرة، بدأت فكرة قبول عمل المرأة خارج المنزل تتعزز، على الرغم من استمرار بعض التعليقات السلبية. هذا التحول، وإن كان بطيئاً، يمثل أملاً في إعادة تشكيل القيم الاجتماعية وتمكين النساء من لعب دور أكثر فاعلية في المجتمع المحلي.

إن قصص النساء في درعا تبرز بشكل واضح أن التحديات كبيرة، لكنها ليست مستحيلة. النساء اللواتي يخرجن للعمل، سواء في الوظائف التقليدية أو غير التقليدية، يشكلن نموذجاً حيّاً للتمكين والصمود. ومن خلال الدعم الاجتماعي والتشجيع المؤسساتي، يمكن لمجتمع درعا أن يتحول تدريجياً إلى مجتمع أكثر قبولاً لمساهمة النساء، وهو ما يعكس تحولاً حقيقياً في الوعي المجتمعي تجاه المرأة العاملة.

- Advertisement -

- Advertisement -