في تاريخ كرة القدم السورية، برزت أسماء كثيرة صنعت مجد الحراسة بين الخشبات الثلاث، لكن القليلين فقط استطاعوا أن يجمعوا بين الموهبة الفطرية والانضباط والجرأة الفائقة في الميدان. ومن بين هؤلاء يتألّق اسم إبراهيم عالِمة، الحارس الذي تحوّل من مهاجمٍ صغير في أحياء حمص إلى واحد من أبرز حُماة العرين في تاريخ المنتخب السوري ونادي الوثبة.
يُعدّ إبراهيم عالمة واحداً من أبرز حراس المرمى في تاريخ كرة القدم السورية الحديثة، ومن أكثرهم حضوراً وتأثيراً في الملاعب المحلية والخارجية. جمع بين القوة البدنية وردّات الفعل السريعة، والقدرة على قيادة الدفاع بثقة نادرة، ما جعله الحارس الأول في منتخب سوريا لسنوات طويلة، ورمزاً للاستمرارية والعطاء.
ولد عالمة في مدينة حمص عام 1991، وبدأ مشواره مع كرة القدم في سن مبكرة جداً، حين انضم إلى فرق الفئات العمرية في نادي الوثبة وهو في التاسعة من عمره. ورغم أنه بدأ مسيرته مهاجماً، إلا أن الصدفة غيّرت مسار حياته الكروية بالكامل؛ ففي إحدى مباريات صغار النادي غاب الحارس الأساسي، فقرر المدرب ماهر دالاتي وضع إبراهيم في المرمى، ليقدّم أداءً لافتاً جعله ينال إعجاب الجميع. ومنذ تلك اللحظة بدأ مسار تكوينه كحارس مرمى حقيقي.
تدرّج عالمة في فئات نادي الوثبة، من الأشبال إلى الناشئين فالشباب، محققاً نتائج مميزة كان أبرزها الفوز ببطولة الدوري لفئة الناشئين والمنافسة على المراكز المتقدمة في فئة الشباب. لفت تألقه الأنظار سريعاً، فاستُدعي إلى منتخب سوريا للشباب عام 2007 بعد اختياره كأفضل حارس في الدوري لفئته، وأكثر من حافظ على نظافة شباكه. تلك الدعوة كانت بوابة دخوله إلى المنتخبات الوطنية.
مع مرور السنوات، أصبح إبراهيم أحد الركائز الأساسية في كرة القدم السورية، فتمت دعوته إلى المنتخب الأولمبي عام 2011، ثم إلى المنتخب الأول، حيث شارك في التصفيات المؤهلة إلى كأس آسيا وكأس العالم، وكان حاضراً ضمن تشكيلة المنتخب التي نافست في تصفيات كأس العالم في روسيا عام 2018، مقدّماً أداءً ثابتاً ساهم في تعزيز ثقة الجمهور السوري بقدراته.
على صعيد الأندية، خاض عالمة تجارب متنوّعة وغنية. فبعد تألقه مع الوثبة، انتقل إلى نادي الشرطة بين عامي 2012 و2014، وهناك توّج بلقب الدوري السوري وكان له دور حاسم في البطولة الآسيوية للنادي، بحسب ما يرويه مدرب الحراس صفوان الحسين، الذي وصفه بأنه “من أكثر الحراس التزاماً وذكاءً في قراءة اللعب”. وبعدها عاد إلى الوثبة لفترة قصيرة، ثم انتقل إلى الوحدة، ومنه إلى الاتحاد الحلبي لموسم واحد.
في عام 2017 خاض أولى تجاربه الاحترافية الخارجية مع نادي سباهان أصفهان الإيراني، ليصبح أحد قلائل الحراس السوريين الذين احترفوا في الخارج، رغم أن التجربة لم تستمر طويلاً. بعدها تنقّل بين أندية الوحدة والجيش السوري، قبل أن يخوض تجربة أخرى في الخليج مع نادي القادسية الكويتي عام 2018.
عرف عن إبراهيم عالمة تفرده بأسلوب خاص في اللعب، أهم سماته قدرته على رمي الكرة لمسافات بعيدة تصل إلى منطقة جزاء الخصم، وهي ميزة نادرة جعلته محطّ إعجاب المعلّقين والمشجعين على حدّ سواء. كما يتميز بجرأته في الخروج من المرمى وقراءته الذكية للكرة قبل أن تصل إلى المهاجمين، فضلاً عن التزامه الكبير بالتدريبات وقدرته على الحفاظ على لياقته العالية.
ويقول الكابتن صفوان الحسين عنه: “إبراهيم من خيرة الحراس سلوكاً وأداءً. يمتاز بالقوة الذهنية والبدنية، ويمتلك شخصية القائد داخل الملعب. ثقته بنفسه جعلت الدفاع أكثر استقراراً، وتمركزه الصحيح وقدرته على التسديد الطويل ميّزاه عن غيره”.
ومع مرور أكثر من عقد على بداياته، ما زال عالمة يحتفظ بمكانته كأحد أعمدة الكرة السورية، ورمز لحارسٍ صعد من أحياء حمص إلى ملاعب آسيا والعالم بجهده وإصراره. لقد صنع مجده بيديه فعلاً، وبات اسمه مرادفاً للالتزام والشجاعة في حراسة العرين السوري.