لكل السوريين

أجور الصياغة المزاجية للذهب في درعا.. بين الحرفة والتكلفة الخفية

درعا/ رجاء مختار

في أسواق الذهب في سوريا اليوم، لا يُحدَّد سعر القطعة الذهبية فقط بما يحدده سعر الأونصة العالمية أو سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، بل يلعب “أجر الصياغة” أو أجور العمل الحرفي على المصوغات الذهبية دوراً محورياً في تحديد السعر النهائي الذي يدفعه المواطن عند الشراء أو الذي يتقاضاه عند البيع.

يتعامل الزبائن يومياً في مدينة درعا جنوب سوريا، كما في باقي المحافظات، مع هذه المصاريف الإضافية التي أضحى يدفعها البعض من دون وضوح أو لوائح معلنة، ما يجعل من شراء الذهب تجربة معقدة ويُثقل كاهل المستهلكين الذين يحاولون توفير قوت يومهم أولاً ثم التفكير في الاستثمار أو الهدايا.

يقف خالد في سوق درعا القديم قرب بوابة المدينة، أمام محل لصياغة الذهب وهو يتفقد خواتم وأساور لامعة معلقة خلف الزجاج. حين سألناه عن السبب وراء توقفه عند قطعة صغيرة، قال بصوتٍ مفعم بالخذلان: “السعر ليس فقط سعر الغرام، هناك أجور صياغة لا أحد يعرف مقدارها إلا عند الدفع… البائع يرفعها وقت ما يشاء، ويقول لي إن العيار والإبداع في التصميم يستحق ذلك.” على الرغم من أن السعر الرسمي لغرام الذهب يوضع في النشرات اليومية بناءً على سعر الأونصة العالمية وسعر الصرف، فإن الأجر الإضافي الذي يتقاضاه الصائغ يختلف من محل لآخر، وقد يصل في بعض الأحيان إلى مستويات تُضاهي قيمة الذهب نفسه.

هذا الوضع المزاجي في تحديد أجور الصياغة أصبح حديث الناس في درعا؛ ففي حي المشتى، تروي أم نور كيف دفعت مبلغاً أكبر بكثير مقابل خاتم اشتراه زوجها لها بمناسبة ذكرى زواجهما: “قال لي إن الأجر بسبب التصميم اليدوي والتفاصيل… لكن حين سألته كم دفعنا في أجر العمل وحده، لم يكن هناك جواب دقيق.” في كثير من الأحيان، لا تظهر أجور الصياغة بوضوح في الفاتورة، ولا توجد لوائح واضحة معلنة عند واجهات المحلات تُبيّن للمشتري كيف يتم احتسابها، مما يفتح الباب دائماً لتفاوتات كبيرة في الأسعار حتى بين القطع المتشابهة.

في السنوات الأخيرة، حاولت الجهات الرسمية في سوريا تنظيم هذا القطاع، وأعلنت هيئة المعادن الثمينة عن تحديد سقف لأجور الصياغة في محاولة لحماية المستهلك من الارتفاعات غير المبررة، فحددت مثلاً أجر الصياغة للقطع الحديثة بنحو 12 دولاراً للغرام، بينما بقيت القطع التقليدية أقل بكثير في التكلفة. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى ضرورة معايرة الدقة في عمليات الوزن لضمان حقوق الزبون.

لكن الواقع على الأرض في درعا بعيد عن هذا التنظيم، بحسب ما يرويه بعض أصحاب المتاجر أنفسهم. فيصل، صائغ في السوق العام، قال مفتخراً: “أنا أضع أجرة الصياغة حسب صعوبة العمل والتصميم والزمن المستغرق… الزبون الذي يفهم العمل الحرفي يدرك ذلك.” لكنه أقر أيضاً بأن غياب رقابة صارمة يجعل من هذا الأمر متروكاً للمزاج الفردي للصائغ، ما يقود إلى اختلاف شديد في أسعار المصاغ بين محل وآخر، وحتى بين زبون وآخر لدى نفس الصائغ.

في درعا كما في باقي أنحاء سوريا، ينعكس هذا التفاوت في أجور الصياغة على القدرة الشرائية للمواطنين. فمع ارتفاع سعر الذهب عالمياً وانعكاس ذلك بشكل مباشر على السوق المحلية بسبب ارتباطه بسعر صرف الدولار، يصبح شراء قطعة ذهبية متوسطة الحجم عبئاً ثقيلًا، لا سيما مع الأجور العالية للصياغة التي تُضاف إلى السعر الأصلي. وتزداد صعوبة الوضع عندما يتطلب الشراء في مناسبات معينة مثل الزواج أو الأعياد، حيث يضيف البعض تكلفة إضافية على المصاريف الأسرية.

قصة جورج، شابٌ من درعا، تعكس معاناة الكثيرين: “كنت أخطط شراء سوار ذهب لخطيبي… عندما ذهبت إلى ثلاثة محلات، كانت الفروق في أجر الصياغة تغطي فروقات سعر الذهب نفسه! أحياناً يكون أجر العمل أكثر من نصف السعر الإجمالي.” هذا الواقع جعل البعض يتخلى عن فكرة شراء الذهب كهدية أو ادخار، ويبدأ في البحث عن بدائل أقل تكلفة مثل الفضة أو حتى مواد غير ثمينة تُستخدم في الحلي.

وتشير المصادر في السوق إلى أن التفاوت في الأجور لا يتعلق فقط بالموديلات أو بجودة العمل، وإنما أحياناً بعوامل نفسية وتجارية؛ فإن توقع ارتفاع أسعار الذهب في المستقبل أو تقلبات في سعر الصرف يُدفع بالصاغة إلى رفع أجرهم في اللحظة ذاتها، كما لو أنهم يحمّلون الزبون تكلفة المخاطرة الاقتصادية على عاتقه.

رغم هذه الحالة، يذهب بعض الزبائن إلى أن الأمر يحتاج إلى تنظيم ومراقبة حقيقية ليكون السوق أكثر شفافية وعدالة. تقول رنا، موظفة في درعا: “نحن نثق بصياغة حرفتهم، لكننا نريد تحديد الأجر بشكل واضح… أحياناً تدفع مبلغاً كبيراً ولم تقرأ حتى على الفاتورة ما دفعته مقابل العمل.” وتضيف أن لوائح معلنة على واجهات المحلات تُبيّن أسعار أجر الصياغة لكل غرام أو لكل قطعة قد تضيف نوعاً من الثقة وتشجّع الزبائن على الشراء.

في السوق المحلي، يمكن أن يتراوح أجر الصياغة من بضع دولارات للقطع البسيطة إلى مبالغ أعلى بكثير للقطع العصرية المعقدة، لكن غيابه عن الإعلان الرسمي يجعل من تحديد القيمة الفعلية أمراً صعباً على الزبون، كما أن سعر الغرام الذي يُعلن عادة في النشرات لا يعكس القيمة النهائية التي يدفعها المشتري بعد إضافة أجور العمل.

المستهلك في درعا اليوم يقف أمام خيارين: إما القبول بالأسعار والمصنعية كما هي، مع تحمل عبء الأجور المزاجية التي قد تُثقل فاتورة الشراء، أو التريّث والبحث عن صاغة يكتشفون مسبقاً أجورهم قبل أن يدفع الثمن. وهناك من يختار في النهاية الانتظار أو شراء قطع أقل وزناً لتخفيف الأعباء الاقتصادية بشكل عام.

هكذا، تبقى أجور الصياغة المزاجية للذهب في درعا جزءاً لا يتجزأ من تجربة شراء الذهب، يتقاطع بين الإبداع الحرفي والضغط الاقتصادي، بين حرية السوق وغياب التنظيم الواضح، ما يجعل من قطعة الذهب أكثر من مجرد مجوهرات، بل مرآة لتحديات الحياة الاقتصادية اليومية في سوريا.

- Advertisement -

- Advertisement -