لكل السوريين

هل تصبح البيانات حجر الأساس للمرحلة المقبلة من التحول الرقمي في الشرق الأوسط؟

في الشرق الأوسط، غالباً ما يجري الحديث عن التحول الرقمي من زاوية المدن الذكية، والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتطبيقات الرقمية الموجهة للمستخدمين. غير أن ما يغيب عن الواجهة هو طبقة أكثر عمقاً وأشد تأثيراً: البنية التحتية للبيانات، التي تشكّل الأساس الحقيقي لكل هذه الابتكارات.

ومع التسارع الهائل في نمو أحجام البيانات، وتحول أحمال العمل إلى نماذج آنية وموزعة ومدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تبدو المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في المنطقة مرهونة بقدرة المؤسسات على تخزين البيانات ونقلها وإدارتها وضمان استدامتها على نطاق واسع، وليس فقط بامتلاك تطبيقات متقدمة أو قدرات حوسبة عالية.

يقول عويس محمد، المدير الإقليمي ومدير المبيعات لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا وشبه القارة الهندية في شركة «ويسترن ديجيتال»، إن وتيرة نمو البيانات في المنطقة تفوق توقعات كثير من المؤسسات. ويضيف، في حديث خاص، أن هذا النمو يتسارع مع توسع الحكومات والشركات في برامج التحول الرقمي الوطنية، والبنى التحتية السحابية، ومبادرات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة المدن الذكية.

وتنعكس هذه الديناميكية في التوسع السريع لسوق مراكز البيانات في الشرق الأوسط، الذي يُتوقع أن ينمو من نحو 5.57 مليار دولار في عام 2023 إلى أكثر من 9.61 مليار دولار بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.52 في المائة. غير أن الأرقام وحدها لا تكشف القصة كاملة، إذ تكمن الأهمية الحقيقية في طبيعة هذا النمو والعوامل التي تقوده، والتي تضع البيانات في قلب الأولويات الرقمية للمنطقة.

قطاعات تقود انفجار البيانات

على خلاف المراحل الأولى من الرقمنة التي انصبت على تحديث أنظمة تقنية المعلومات، يأتي النمو الحالي مدفوعاً بقطاعات كثيفة البيانات بطبيعتها. وتشمل هذه القطاعات التحول الحكومي، وأنظمة الهوية الرقمية الوطنية، والطاقة، والتقنية المالية، والإعلام والترفيه، والخدمات اللوجيستية، والاتصالات.

ويوضح محمد أن هذه القطاعات تعتمد على منصات غنية بالبيانات وأحمال عمل كثيفة، تتراوح بين مكتبات الفيديو الضخمة، والمعاملات المالية عالية التردد، والبيئات الصناعية المعتمدة على المستشعرات، والخدمات الحكومية الرقمية الفورية. ومع ازدياد حجم هذه الاستخدامات وتعقيدها، لم تعد أنظمة التخزين مجرد وسائط للحفظ، بل تحولت إلى مكوّن استراتيجي يتطلب موازنة دقيقة بين السعة والأداء والكفاءة التشغيلية

اختناقات غير مرئية في البنية التحتية

رغم التقدم اللافت، تواجه المؤسسات في المنطقة تحديات متزايدة في بنى التخزين. ويتمثل أحد أبرز هذه التحديات في كيفية التوفيق بين توسيع السعة وتحسين الكفاءة.

ويشير محمد إلى أن البنى الحالية تجد صعوبة في مواكبة النمو السريع للبيانات غير المهيكلة، ما يستدعي ثلاثة تحولات رئيسية. الأول يتمثل في زيادة كثافة التخزين عبر تقنيات متقدمة مثل التسجيل المغناطيسي العمودي المساعد بالطاقة (ePMR)، والتسجيل المغناطيسي المتداخل (SMR)، والتقنيات المعتمدة على الهيليوم، إلى جانب تطوير أقراص التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR) لتمديد القدرات التخزينية مستقبلاً.

ويوضح أن الانتقال من أقراص بسعة 26 تيرابايت إلى أخرى بسعة 32 تيرابايت لتخزين إكسابايت واحد من البيانات يمكن أن يقلل عدد الرفوف والأقراص بنحو 19 في المائة، مع خفض ملموس في استهلاك الطاقة.

أما التحول الثاني فيكمن في فصل مكونات التخزين عن الحوسبة والشبكات، بدلاً من الاعتماد على البنى المتقاربة التقليدية، التي تفرض توسعاً غير ضروري في جميع الموارد في آن واحد. ويؤكد محمد أن تقنيات «NVMe over Fabric» تتيح توسيع التخزين والحوسبة بشكل مستقل، وتوفر مرونة عالية لدعم بيئات الذكاء الاصطناعي كثيفة الأداء.

ويتمثل التحول الثالث في تحسين نظافة البيانات وإدارة دورة حياتها، إذ يؤدي تراكم البيانات القديمة والمكررة وغير المُدارة، سواء داخل المؤسسات أو في السحابات، إلى تضخم غير مبرر يعرقل كفاءة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

ضغوط متزايدة في القطاعات سريعة النمو

تتجلى هذه التحديات بوضوح في القطاعات الرقمية سريعة النمو؛ فالإعلام والترفيه يواجهان توسعاً مستمراً في المحتوى عالي الدقة، بينما تعتمد التقنية المالية والألعاب الإلكترونية على زمن استجابة بالغ الانخفاض. في المقابل، تولّد قطاعات مثل الخدمات اللوجيستية والتعليم الإلكتروني تدفقات متواصلة من البيانات التشغيلية والسلوكية.

ويرى محمد أن هذه الأنماط تعزز الحاجة إلى بنى تخزين تجمع بين الأداء العالي والسعة الكبيرة والاحتفاظ طويل الأمد بكفاءة، لا سيما مع دخول الذكاء الاصطناعي على خط المعادلة.

السحابات الوطنية وإعادة رسم الاستراتيجيات

تلعب السحابات الوطنية في دول مثل السعودية والإمارات دوراً محورياً في إعادة تشكيل استراتيجيات التخزين، خاصة مع تصاعد الاهتمام بسيادة البيانات والامتثال للمتطلبات التنظيمية.

ويشرح محمد أن المؤسسات لا تتجه إلى نموذج واحد موحّد، بل تعتمد مقاربة مرنة قائمة على طبيعة الحمل التشغيلي، حيث تُدار أحمال الاستجابة الفورية والاستدلال بالذكاء الاصطناعي قرب الحافة، بينما تُخزّن مجموعات التدريب الضخمة والأرشيفات في مراكز بيانات كثيفة السعة أو ضمن السحابات الوطنية.

تصحيح مفاهيم شائعة حول التخزين

من بين أبرز المفاهيم الخاطئة، بحسب محمد، الاعتقاد بأن الاعتماد الكامل على حلول التخزين «الفلاشي» هو الخيار الأمثل دائماً. ويؤكد أن هذا النوع من التخزين ضروري للأحمال الحرجة، إلا أن غالبية البيانات تكون «دافئة» أو «باردة»، ويمكن خدمتها بكفاءة أعلى وتكلفة أقل عبر الأنظمة المعتمدة على الأقراص التقليدية.

ويحذر من أن تجاهل طبيعة الحمل التشغيلي قد يقود إلى حلول مبالغ في تصميمها، مرتفعة التكلفة، وغير قابلة للاستدامة على المدى الطويل.

كما يشير إلى اتجاهات إقليمية لا تزال أقل وضوحاً في التقارير العالمية، أبرزها الاستثمارات الحكومية المكثفة في برامج الذكاء الاصطناعي الوطنية ومراكز البحث والتدريب، والتي تولد طلباً غير مسبوق على تخزين البيانات غير المهيكلة. ويضيف أن تبني بنى التخزين المفصولة عن الحوسبة وتقنيات «NVMe-oF» يتسارع في المؤسسات، بعد أن كان مقتصراً على شركات الحوسبة العملاقة.

التخزين بوصفه قدرة استراتيجية

من الألعاب الإلكترونية إلى الإعلام والسحابة والمؤسسات، يتضح أن انفجار البيانات يمثل اتجاهاً لا رجعة فيه. ويؤكد محمد أن أقراص التخزين عالية السعة تشكّل العمود الفقري لأحمال الذكاء الاصطناعي، لما توفره من جدوى اقتصادية على نطاق واسع.

ويرى أن المؤسسات التي ستقود المشهد الرقمي خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة هي تلك التي تنظر إلى البنية التحتية للبيانات باعتبارها قدرة استراتيجية، لا مجرد تحديثات تقنية متفرقة. ويخلص إلى أن «المؤسسات التي تفهم طبيعة أحمالها وتخطط لها بوعي لن تتمكن فقط من إدارة بياناتها بكفاءة، بل ستكتسب ميزة تنافسية حقيقية من خلال قرارات أسرع ومنظومات رقمية أكثر مرونة واستدامة».

- Advertisement -

- Advertisement -