لكل السوريين

قراءة في واقع الخدمات… السبخة بين إرث الدمار وتحديات التعافي الخدمي

 

الرقة – غادة علي

عانت مدينة السبخة، الواقعة في الريف الشرقي الجنوبي للرقة، من تدهور حاد في مستوى الخدمات الأساسية خلال سنوات سيطرة النظام والمجموعات المسلحة، حيث انعكس ذلك بشكل مباشر على البنية التحتية، والنظافة العامة، وشبكات المياه والكهرباء، إضافة إلى الطرق والخدمات الصحية، ما جعل المدينة واحدة من أكثر المناطق تضرراً بالرقة في تلك المرحلة.

ومع انتقال إدارة المنطقة إلى الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، شهدت السبخة إطلاق سلسلة من المشاريع الخدمية التي قُدمت على أنها خطوة نحو تحسين الواقع المعيشي للسكان وإعادة تأهيل ما دمرته سنوات الحرب.

إلا أن هذا التحول لم يكن محل إجماع كامل، إذ تتقاطع الروايات الرسمية التي تتحدث عن تقدم ملحوظ مع شكاوى محلية تشير إلى بطء التنفيذ وضعف الإمكانيات، ما يجعل سؤال جودة الخدمات وحجم التغيير الفعلي حاضراً بقوة في المشهد العام.

سنوات المعاناة

خلال سنوات الحرب، عاشت مدينة السبخة ظروفاً إنسانية بالغة الصعوبة، خاصة في ظل سيطرة تنظيم داعش الأسد ثم النظام، وما رافق ذلك من معارك عنيفة لاستعادة السيطرة على المنطقة، وتعرضت المدينة لقصف جوي ومدفعي مكثف من قبل قوات النظام، ما أدى إلى دمار واسع في المباني السكنية والبنى التحتية المدنية.

وتضررت المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء بشكل كبير، الأمر الذي شلّ الحياة اليومية للسكان، ودفع أعداداً كبيرة منهم إلى النزوح نحو مناطق الإدارة الذاتية، فيما وجد من بقي نفسه محاصراً، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية وتراجع القدرة على تأمين متطلبات الحياة اليومية.

شهادات محلية

في إطار رصد الفوارق الخدمية بعد وصول مؤسسات الإدارة الذاتية إلى السبخة، أجرت صحيفة “السوري” لقاءات مع عدد من أهالي المدينة، للوقوف على تقييمهم للواقع الخدمي مقارنة بمرحلة سيطرة النظام، وتسليط الضوء على القطاعات التي ما تزال تعاني من نقص حاد أو تلك التي شهدت تحسناً.

وفي هذا السياق، قال صالح ذياب، من أهالي السبخة، لصحيفة “السوري”، إن البلدة ونواحيها أُدرجت بعد سقوط النظام ضمن خطة المجلس التنفيذي في الرقة، حيث جرى تقديم عدد من الخدمات وتأسيس مجلس عام لتلقي شكاوى الأهالي وطرح الحلول، بهدف تطوير الواقعين الاجتماعي والاقتصادي.

وأكد ذياب وجود فارق خدمي ملموس بعد خروج قوات النظام ودخول الإدارة الذاتية، مشيراً إلى دعم المحروقات وتوزيع بطاقات التدفئة على المواطنين، إضافة إلى تشغيل المولدات لضخ مياه الشرب، التي كانت نادرة ومحدودة خلال فترة سيطرة النظام، كما لفت إلى تفعيل المحولات الكهربائية وإنارة الشوارع الرئيسية، معتبراً أن هذه الخطوات أسهمت في تحسين الواقع الخدمي مقارنة بالماضي.

 خطط لمعالجة النقص

من جهتها، أوضحت رهف كدرو، الرئاسة المشتركة لبلدية زور شمر، لصحيفة “السوري”، أن مكتب الرقابة التابع لاتحاد البلديات في الرقة نفذ جولة ميدانية على مؤسسات الخط الشرقي في مدينة السبخة، للاطلاع على سير الأعمال والخدمات المقدمة للأهالي.

وأشارت رهف كدرو إلى أن المجلس التنفيذي في الرقة عمل على تقديم حلول لتسيير شؤون السكان وتحسين مستوى الخدمات، مؤكدة أن نموذج الإدارة الذاتية يهدف إلى تعزيز التنمية المحلية ومنح الأهالي حق إدارة مناطقهم بشكل مباشر، بعيداً عن المركزية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة.

وبيّنت، أن من أبرز الفوارق التي لمسها الأهالي يتمثل في تحسن خدمات البلديات والنظافة العامة، من خلال توافر جرارات وآليات، وتوظيف عدد من العمال لتنظيف الشوارع، ما ساعد على تحسين الواقع البيئي مقارنة بالمرحلة السابقة.

وفيما يتعلق بمشاكل الصرف الصحي، أكدت رهف كدرو العمل على تشكيل فرق مختصة وتأمين المواد اللازمة لمعالجة هذه المشكلات داخل مدينة السبخة، إلى جانب تنفيذ مشاريع لتزفيت الشوارع وتوسيع نطاق الإنارة العامة.

كما أشارت إلى العمل على تفعيل الأفران لضمان توفير مادة الخبز للمواطنين، مؤكدة أن مشروع النظافة يشمل كامل الريف الشرقي، بما فيه السبخة وزور شمر وغرناطة، بالتنسيق مع فريق يضم نحو 70 موظفاً ومشرفين، إضافة إلى توافر الآليات اللازمة.

ورغم ما تحقق من خطوات خدمية، يرى عدد من الأهالي أن حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب يتطلب جهودا أكبر وإمكانيات أوسع، خاصة في قطاعات البنية التحتية والصرف الصحي وفرص العمل، مؤكدين أن التعافي الكامل ما يزال بحاجة إلى وقت وخطط طويلة الأمد.

وبين التفاؤل الحذر لدى السكان، والتحديات التي تواجه الجهات الخدمية، تبقى مدينة السبخة نموذجاً لمدن كثيرة في سوريا، تحاول الخروج من إرث ثقيل من الدمار، وسط واقع اقتصادي صعب وإمكانات محدودة، وسعي مستمر لتحسين مستوى الحياة وإعادة بناء ما هدمته الحرب.

- Advertisement -

- Advertisement -