درعا/ رجاء مختار
في درعا، المدينة التي تعرف كل حجر فيها قصة، لا يقتصر الحزن على أطلال المنازل والحقول المحروقة. هنا، يمتد الخراب إلى الأوراق والسجلات، إلى تلك الوثائق التي كانت تحفظ أسماء الناس وحقوقهم، وتروي تسلسل حياتهم من الولادة إلى الموت. بعد الحرب الطويلة، اكتشف كثير من الأهالي أن الفوضى لم تسرق بيوتهم فقط، بل سلبت حتى تواريخهم، وبدّلت تفاصيل موتاهم وورثتهم، فصار من الصعب معرفة من مات أولاً، ومن يملك ماذا.
في بلدة طفس غرب درعا، تجلس أمّ ناصر (55 عامًا) بين ركام منزلها وهي تقلب أوراقاً قديمة في كيس بلاستيكي مهترئ. تقول: “كل حياتنا صارت في هالورق، بس حتى الورق تغيّر”. فقدت زوجها خلال قصفٍ عام 2013، ولم تستطع توثيق وفاته إلا بعد خمس سنوات. وعندما ذهبت لاستخراج وثيقة “حصر إرث”، اكتشفت أن زوجها مسجل على أنه توفي بعد والد زوجها بعامين، رغم أن العكس صحيح. “قالولي بدنا شهود ووثائق. الشهود ماتوا أو تهجروا، والوثائق ضاعت مع الدار.” تضيف وهي تنظر إلى الأوراق: “صرنا غُرب حتى بسجلات الدولة”.
في قرية الغارية الشرقية، يعيش محمود (42 عامًا) مع إخوته في بيتهم القديم الذي ورثوه عن والدهم، لكن البيت اليوم لا يحمل اسمهم في السجل العقاري. يروي بحسرة: “أبوي مات سنة 2015، بس وقتها ما كان في نفوس ولا محكمة. لما رجعنا نثبّت الوفاة بعد سنتين، سجلونا بتاريخ مختلف. صار إرثنا موقوف، لأن الورثة على الورق مو نفس الموجودين بالحياة.” يحاول محمود تصحيح الخطأ عبر القضاء، لكنه يقول إن القضية “ما بتتحرك إلا بالمال أو العلاقات، وكل شي بيتأجل بحجة نقص الأوراق”.
هذه الفوضى لم تأتِ من فراغ. خلال سنوات الحرب، توقفت معظم دوائر النفوس في درعا، وضاعت آلاف السجلات في القصف أو النهب، واضطر الناس لتسجيل الوفيات والولادات بعد فترات طويلة أو عبر وسطاء. بعضهم قدّم تواريخ غير دقيقة لتسهيل معاملات الزواج أو الميراث، والبعض الآخر لم يسجل شيئاً أصلاً. النتيجة كانت شبكة معقدة من الأخطاء القانونية التي جعلت مئات العائلات عاجزة عن إثبات حقوقها في الملكية أو الإرث.
أبو طلال، رجل في الستين من بلدة داعل، يروي معاناته مع ملف إرثٍ عالق منذ خمس سنوات: “أخوي استشهد، وولاده بدهم حصتهم من البيت. لما راحوا يطلعوا الورق، طلع أخوي عايش بالسجلات! حاولنا نصحح، قالوا لازم تقرير طبي أو شهادة وفاة رسمية. بس وين نجيبها؟ دفناه وقت القصف، ما في دكتور ولا جهة رسمية.” يضحك بمرارة ويقول: “حتى الموت بدّه توقيع”.
وفي مكتب صغير داخل درعا البلد، يجلس المحامي حسام العبد الله بين أكوام من الملفات. يقول: “كل يوم بيجيني عشرات الناس عندهم نفس المشكلة. تواريخ وفاة مقلوبة، أسماء ناقصة، أملاك مسجلة بأسماء متوفين. القانون بيطلب أوراق رسمية، بس الواقع ما عنده أوراق.” يوضح أن دعاوى “تصحيح واقعة وفاة” أصبحت من أكثر القضايا شيوعًا، لكن إجراءاتها طويلة ومعقدة، وغالباً تتطلب شهوداً يعيشون في الخارج أو مستندات فقدت في الحرب. “أحيانًا الحل بيكون عبر الرشوة أو الوساطة، لأن الناس بدها تنهي القضية بأي طريقة”.
أكثر من يتضرر من هذه الفوضى هم النساء والأيتام. فالكثير من الأرامل لا يستطعن تحصيل إرث أزواجهن، لا لأن القانون يمنعهن، بل لأن الورق مفقود. في بلدة خربة غزالة، تعيش سلوى (39 عاماً) مع أطفالها الأربعة في منزل صغير من الطوب. زوجها توفي في معركة عام 2014، ولم تحصل حتى اليوم على شهادة وفاته. “كل ما أراجع النفوس، بيقولوا بدنا شاهد أو تقرير. الشهود تهجروا، والمكان اللي اندفن فيه صار خط تماس. حتى دفتر العيلة ضاع.” تشير إلى أطفالها وتقول: “بيسألوني ليش بيتنا باسم غيرنا. شو بدي جاوبهم؟”.
الوضع لم يتحسن كثيراً بعد انتهاء الحرب. مع عودة بعض المؤسسات للعمل، قررت السلطات في درعا تجميد السجل العقاري مؤقتاً لإعادة تنظيم الملكيات، لكن القرار زاد الطين بلّة. يقول المحامي العبد الله إن “تجميد السجل عطّل معاملات البيع والشراء والإرث. الناس ما عاد تقدر تثبت ملكيتها، حتى لو عندها أوراق سليمة.” بعض الورثة اضطروا للعيش في بيوت لا يملكونها رسمياً، وآخرون فقدوا حقهم لأن الورق تغيّر.
عبد الرحمن (28 عاماً) مثال حيّ على ذلك. بعد وفاة والده، حاول مع أشقائه تقسيم الأرض الزراعية في الريف الشرقي. لكنهم فوجئوا بأن الأرض مسجلة باسم شخص آخر من العائلة. “الخطأ صار لما سجلوا وفاة جدي قبل وفاة أبي. القاضي قال لازم نرفع دعوى تصحيح ونجيب شهود. شهود شو؟ الناس تهجرت، واللي باقي نسي.” يقول إن الأرض بقيت معلقة، لا تُزرع ولا تُباع، لأن الميراث لم يُثبت قانوناً.
وفي مكاتب المحاكم، تتكدس الملفات التي لا تجد طريقها للحل. القضاة يشكون من نقص الكوادر والوثائق، والمحامون من التعقيد الإداري، والمواطنون من طول الانتظار. الكل يعرف أن المشكلة أكبر من الأوراق، فهي تمسّ جوهر العدالة وثقة الناس بالحكومة.
في إحدى جلسات المحكمة، تتحدث القاضية منى الطرمان، وهي من أوائل القاضيات العائدات للعمل بعد الحرب: “نحن نحاول معالجة القضايا القديمة، لكن السجلات ممزقة والوثائق متضاربة. الحل يحتاج لجنة عدلية خاصة تعتمد شهادات المجتمع المحلي، لأن أغلب الأدلة الرسمية اختفت.” تضيف: “الناس فقدت ثقتها بالقانون، ونحن نحاول استعادتها خطوة بخطوة”.
لكن خطوات العدالة بطيئة، والوقت يمضي. كل تأخير يعني عائلة جديدة تُحرم من إرثها، وأطفالًا يكبرون بلا سند. وفي درعا، حيث الموت كان رفيق الناس لسنوات، صار حتى تسجيله معركة أخرى.
مع غروب الشمس فوق بساتين المدينة، تقف أمّ ناصر مجدداً أمام كومة أوراقها. تمسح الغبار عن ورقة باهتة وتقول: “هذول مو أوراق، هذول حياتنا.” ثم تضيف بصوت متهدج: “كل شي تغير، حتى التاريخ ما عاد يعرف مين مات قبل مين”.
بين الخراب الورقي والقلوب المنهكة، تبقى فوضى السجلات في درعا مرآة لحربٍ لم تنتهِ بعد. فهنا، لا تزال العدالة تبحث عن توقيع، والناس تنتظر اعترافاً بأن من رحلوا قد رحلوا حقاً، وأن ما تبقّى لهم من ذكريات وحقوق لن يُمحى مع الزمن.