دمشق/ مرجانة إسماعيل
في أزقة المدينة القديمة، حيث تختلط رائحة الياسمين بصوت المياه المتدفقة من البحرات، يقف بيت خالد العظم كأيقونة من أيقونات العمارة الدمشقية، يروي حكاية عائلةٍ من أبرز العائلات التي صنعت تاريخ البلاد، ويختزن في جدرانه قصص السياسة والترف والفن، والعلاقة الحميمة بين المكان والإنسان في مدينةٍ عمرها لا يُقاس بالسنين بل بالعصور.
البيت الذي صار متحفاً للروح الدمشقية
يقع البيت في حيّ المدحتية، أحد أحياء دمشق القديمة القريبة من الجامع الأموي، بُني في أواخر القرن التاسع عشر على يد أحد أفراد آل العظم، العائلة التي ذاع صيتها منذ العهد العثماني، إذ تولّى بعض أبنائها مناصب الولاية والوزارة، كما أسهموا في الحياة الفكرية والاقتصادية والسياسية للمدينة.
وقد انتقل البيت لاحقاً إلى خالد العظم، أحد أبرز رجالات السياسة السورية في القرن العشرين، ووريث هذا الإرث العائلي. تولّى العظم رئاسة الوزراء عدة مرات بين عامي 1948 و1963، وارتبط اسمه بالاستقلال وبإدارة مرحلةٍ حرجة من تاريخ سوريا السياسي، ليبقى البيت شاهداً على زمنٍ كانت فيه دمشق مركز القرار والنفوذ.
بعد وفاة خالد العظم عام 1965، قرّرت الدولة السورية تحويل البيت إلى متحفٍ للتقاليد الشعبية سنة 1971، ليحمل اسمه ويصبح مرجعاً حياً لذاكرة المدينة، ولينتقل من فضاء السياسة إلى فضاء الثقافة والتراث.
تحفة معمارية تُجسّد فنّ البيت الدمشقي
حين يدخل الزائر باحة القصر الواسعة، تتجلّى أمامه صورة البيت الدمشقي كما أرادها صانعوه: ساحة داخلية تتوسطها بحرة ماء رخامية تعكس ضوء الشمس على جدران مزخرفة بالألوان الحارة والنقوش النباتية. تحيط بالباحة أروقةٌ مقببة وأبواب خشبية محفورة بعناية ومطعمة بالعاج والصدف، في مشهدٍ يعكس مهارة الحرفيين الدمشقيين الذين نقلوا روح الشرق إلى كل زاوية من القصر.
يتكوّن البيت من طابقين، في الطابق الأرضي قاعات استقبال فسيحة، وأخرى كانت مخصّصة للرجال، فيما يحتوي الطابق العلوي على غرف المعيشة والنوم. وتظهر الزخارف الحجرية المتعددة الألوان التي تُعرف بـ“الأبلق الدمشقي” بأبهى صورها على الجدران الخارجية للإيوان الكبير، بينما تتعانق الأقواس والنوافذ المزخرفة مع الضوء المتسلّل من الأعلى في مشهدٍ من التوازن الهندسي والسكينة.
وفي وسط الإيوان، ترتفع مقاعد من الخشب المزخرف، وسقوف مطلية برسوماتٍ هندسية وآياتٍ قرآنية بالخط العربي الكوفي والثلث، ما يجعل المكان أقرب إلى لوحةٍ فنيةٍ متكاملة تُعبّر عن فلسفة الجمال الدمشقي التي تجمع بين الروحانية والترف والخصوصية.
ذاكرة البيت.. حكايات الناس والأزمنة
لم يكن بيت خالد العظم مجرّد مقرّ لإقامة عائلة ثرية، بل كان فضاءً يجتمع فيه وجهاء دمشق وشخصياتها الثقافية والسياسية. في القاعات نفسها، دارت أحاديث السياسة ومشاريع النهضة، وفي الزوايا ذاتها كانت تُعزف موسيقى العود وتُتلى القصائد في ليالي الصيف الدمشقية.
ومع مرور العقود، تحوّل هذا البيت من شاهدٍ على الحياة الأرستقراطية إلى متحفٍ يوثّق ذاكرة المدينة. في غرفه اليوم تُعرض أدوات الحياة اليومية الدمشقية: أوانٍ نحاسية، وسجاد شرقي، وملابس تقليدية مطرزة بخيوط الذهب والفضة، ودمى تمثّل مشاهد من الأعراس والطقوس الاجتماعية.
في كل زاوية من المتحف تفوح رائحة الماضي: غرفة العروس المزينة بالمرايا والمصابيح النحاسية، والمطبخ الذي تملؤه القدور والأدوات النحاسية الملمّعة، وغرفة الجلوس التي تتوسطها طاولة من الخشب المشغول يحيط بها أثاث مطعّم بالصدف. كل تفصيل في البيت يحكي قصةً من سوريا ما قبل الحداثة، حين كانت البساطة تتزيّن بالفن، والترف يرتبط بالذوق الرفيع لا بالمظاهر.
خالد العظم.. من البيت إلى التاريخ
كان خالد العظم ابن هذا البيت وأحد أبرز أبنائه. وُلِد عام 1903 في دمشق، ودرس الحقوق في باريس، ثم عاد ليبدأ مسيرةً سياسية طويلة. تولّى وزارة المالية والدفاع، ثم رئاسة الوزراء، وكان من مهندسي استقلال سوريا ومن المدافعين عن سيادتها.
مثّل العظم التيار الوطني الليبرالي في مرحلةٍ كانت البلاد تعيش صراعات النفوذ بين القوى المحلية والعالمية، وترك أثراً كبيراً في تشكيل بنية الدولة الحديثة. وقد ظلّ البيت مرتبطاً باسمه حتى بعد رحيله، كرمزٍ لعصرٍ كامل من الحياة الدمشقية التي امتزج فيها التراث بالحياة السياسية.
إرثٌ معماري وثقافي باقٍ في الذاكرة
اليوم، يقف بيت خالد العظم شامخاً في وجه الزمن، تحيط به بيوت دمشق القديمة التي ما زالت تحتفظ بعطر التاريخ. يُعتبر القصر من أهم المعالم الأثرية التي تعرّف الزوار على العمارة العربية الداخلية التي كانت تعتمد على الخصوصية والتوازن بين الداخل والخارج.
كما أصبح المتحف مقصداً للباحثين والزائرين من مختلف أنحاء العالم، لما يحتويه من مقتنياتٍ نادرة تعكس أسلوب العيش الدمشقي التقليدي، وتكشف عن التداخل العميق بين الفن والحياة اليومية. ويُعدّ أيضاً مركزاً تربوياً وثقافياً يذكّر الأجيال الجديدة بأن التراث ليس مجرد ماضٍ يُعرض في واجهات المتاحف، بل هو جزءٌ من الهوية السورية التي تتجدد في كل زمن.
دمشق… المدينة التي تحفظ ذاكرة أبنائها
بيت خالد العظم ليس مجرد مبنى أثري، بل هو سيرة مدينة بكاملها. ففي باحاته تتردد أصوات أجيالٍ مرّت، وفي جدرانه تختبئ رائحة الزمن، وفي زخارفه انعكاسٌ لروح دمشق التي تتجدد مهما تغيّرت الأزمنة. هو بيتٌ يعيد تعريف معنى الجمال، ويذكّر بأن العمارة الدمشقية ليست حجراً فحسب، بل فنّ العيش والكرامة والذوق، وأن كل بيتٍ من بيوت دمشق القديمة يحمل في قلبه شيئاً من روحها التي لا تموت.