لكل السوريين

المرأة السورية تقود اقتصاد الأسرة من المنزل.. المشاريع الأسرية بوابة جديدة للتنمية وتحسين المعيشة

لم تعد المشاريع الأسرية في سوريا مجرد أعمال صغيرة تدار داخل المنازل، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة إنتاج حقيقية تسهم في دعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز قدرة الأسر على مواجهة التحديات المعيشية، وفي مقدمتها المرأة السورية التي أصبحت شريكًا أساسيًا في دورة الإنتاج من خلال مشاريع متنوعة تجمع بين المهارة والخبرة والإصرار على الاستمرار.

وتؤكد تجارب العديد من صاحبات المشاريع الأسرية أن هذه المبادرات شكلت فرصة مهمة لتحويل المواهب المنزلية إلى مصادر دخل مستقرة، سواء في مجالات الصناعات الغذائية، أو الحرف اليدوية، أو الخياطة، أو الأعمال التراثية، إضافة إلى مشاريع أخرى تعتمد على الابتكار والعمل الفردي والجماعي داخل الأسرة.

ويرى أصحاب الاختصاص أن دعم هذه المشاريع لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية، لما توفره من فرص عمل، ودورها في تنشيط الإنتاج المحلي، وفتح مجالات جديدة أمام الأسر السورية للمشاركة في النشاط الاقتصادي.

من مشروع منزلي إلى مصدر دخل

تروي صاحبة مشروع أسري في مجال الصناعات الغذائية رويدا قدور تجربتها، موضحة أن المشروع بدأ بإمكانات بسيطة داخل المنزل، قبل أن يتوسع تدريجيًا نتيجة الإقبال على المنتجات، مشيرة إلى أن الرغبة في العمل وتطوير المهارات كانتا العاملين الأساسيين في الانتقال من مرحلة الإنتاج المحدود إلى التفكير بالتوسع.

وتؤكد قدور أن أكبر التحديات التي تواجه صاحبات المشاريع الأسرية تتمثل في الوصول إلى أسواق أوسع، وتأمين قنوات تسويق فعالة، إضافة إلى الحاجة للدعم في مجالات التغليف والترويج وبناء علامة تجارية تساعد المنتجات المحلية على المنافسة.

بدوره، يشير عدد من أصحاب المشاريع الحرفية إلى أن المرأة السورية تمتلك طاقات كبيرة في مجالات متعددة، إلا أن غياب التمويل الكافي وضعف فرص التدريب والتسويق يحدان أحيانًا من قدرة هذه المشاريع على النمو والتحول إلى مشاريع إنتاجية مستدامة.

التمويل والتسويق.. التحديان الأبرز

ويؤكد أصحاب مشاريع أسرية أن المشكلة لا تكمن غالبًا في توفر المهارة أو الرغبة بالعمل، وإنما في صعوبة الحصول على التمويل المناسب، وغياب الأدوات التي تساعد على الانتقال من الإنتاج المنزلي إلى مرحلة أكثر تنظيمًا.

كما يشكل التسويق تحديًا رئيسيًا، إذ تحتاج العديد من المشاريع إلى منصات عرض وبيع، ودعم في مجال التسويق الإلكتروني، بما يسمح بوصول المنتجات إلى عدد أكبر من الزبائن داخل سوريا وخارجها.

ويرى الحرفي برهان السيد أن العديد من العاملين في مجالات الخياطة والحرف اليدوية يمتلكون خبرات متراكمة، لكن نقص التمويل وضعف قنوات التسويق يبقيان عائقين أمام توسع مشاريعهم وتحقيق مردود اقتصادي أكبر.

المشاريع الأسرية شريك للقطاع الصناعي

من جانبه، يؤكد الصناعي محمد صباغ أن دمج المشاريع الأسرية ضمن منظومة الإنتاج الوطني يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء سلسلة إنتاج متكاملة، موضحًا أن هذه المشاريع قادرة على تقديم منتجات وخدمات مساندة للقطاع الصناعي، بما يخلق علاقة تكامل بين المشاريع الصغيرة والمنشآت الأكبر.

وأشار إلى أن تنظيم هذه العلاقة من خلال منصات تعاون وعقود واضحة يمكن أن يفتح فرصًا جديدة أمام الأسر المنتجة، ويمنح المشاريع الصغيرة قدرة أكبر على الاستقرار والتوسع.

المرأة السورية.. طاقة إنتاجية تحتاج إلى التمكين

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر أن المشاريع الأسرية تمثل إحدى الأدوات المهمة لدعم الاقتصاد المحلي، كونها قادرة على خلق فرص عمل بتكاليف أقل وتحقيق أثر اجتماعي واسع، لافتًا إلى أن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على زيادة دخل الأسرة، بل تمتد إلى توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتشجيع الاعتماد على المنتجات الوطنية.

وأوضح اسمندر أن نجاح هذه المشاريع يحتاج إلى بيئة داعمة تشمل التمويل الميسر، والتدريب الإداري، وتطوير مهارات التسويق، إضافة إلى مساعدة أصحاب المشاريع على الاستفادة من التكنولوجيا والتسويق الرقمي.

خطوات ضرورية لإنجاح المشاريع الأسرية

حدد اسمندر مجموعة من التحديات التي تواجه المشاريع الأسرية، أبرزها ضعف التمويل، وقلة الخبرة في الإدارة والتسويق، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، إضافة إلى الحاجة لمزيد من برامج التدريب والتأهيل.

ودعا إلى إطلاق برامج دعم متخصصة تستهدف أصحاب المشاريع، ولا سيما النساء، تتضمن التدريب المهني والإداري، وتوفير قروض صغيرة ميسرة، وإنشاء منصات لتسويق المنتجات المحلية، وتسهيل الإجراءات القانونية أمام المشاريع الناشئة.

وأكد أن تمكين المرأة السورية من تطوير مشاريعها الأسرية يشكل استثمارًا في الاقتصاد والمجتمع معًا، إذ يحول العمل المنزلي من نشاط محدود إلى قوة إنتاجية قادرة على المساهمة في التنمية وتحسين الظروف المعيشية للأسر.

وبينما تستمر المرأة السورية في خوض تجربة العمل والإنتاج رغم الظروف الصعبة، تثبت المشاريع الأسرية أنها ليست مجرد وسيلة لتأمين الدخل، بل نواة يمكن أن تتحول إلى قطاع اقتصادي فاعل إذا توفرت لها البيئة المناسبة والدعم المطلوب.

- Advertisement -

- Advertisement -