لكل السوريين

المقابر الجماعية في درعا… ذاكرة الموت المؤجلة وعدالة غائبة

 

درعا/ رجاء مختار

ما تزال عائشة من ريف درعا تنتظر خبراً عن ابنها الذي اختفى قبل سبع سنوات. جلست أمام صورةٍ باهتة على جدار بيتها الطيني وقالت: “ما في قبر أزوره ولا شاهد أترحم عنده… بس قلبي بيحكي إنه هون، تحت تراب هالبلد”، كلماتها تختصر مأساة مئات العائلات التي لم تعرف بعد مصير أبنائها، لكنها بدأت تسمع أخباراً عن مقابر جماعية تُكتشف في كل ناحية من المحافظة.

الأخبار الأخيرة التي انتشرت على وسائل الإعلام ومنصات محلية أكدت العثور على عدة مقابر جماعية في محافظة درعا خلال الأشهر الماضية، بعضها في مناطق كانت خاضعة لسيطرة الأجهزة الأمنية والعسكرية سابقاً.

وأشارت تقارير منظمات محلية ودولية إلى أن رفات الضحايا تعود لأشخاص اختفوا قسرياً أو أُعدموا ميدانياً خلال سنوات الحرب، وأن عمليات الدفن جرت بشكلٍ متعجّل ودون أي علامات تدل على هوية المدفونين، فرق الدفاع المدني والطبابة الشرعية بدأت بمحاولات توثيق المواقع، لكن العمل يسير ببطء وسط ضعف الإمكانيات والخوف من العبث بالأدلة.

في إحدى قرى الريف الغربي، تم اكتشاف حفرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية وملابس مدنية، أحد الشهود، مروان، قال وهو يشير إلى المكان: “كان في حاجز هون، الناس كانت تختفي بعد ما تمر من عنده… واللي لقيناه اليوم هو دليل على كل اللي كنا نحكيه”، المشهد أثار موجة حزن وغضب في القرى المجاورة، وخرجت عائلات كثيرة تبحث بين الصور المنشورة علّها تتعرف إلى قطعة ثوب أو ساعة كانت تخص أبناءها.

ملف المقابر الجماعية في درعا ليس جديداً، لكنه عاد إلى الواجهة بعد توسع عمليات البحث والتوثيق في الأشهر الأخيرة، خاصة بعد انسحاب عدد من القوى العسكرية من بعض المناطق، ما أتاح للأهالي والمنظمات الوصول إلى مواقع كانت مغلقة لسنوات، ومع كل اكتشاف جديد، تتجدد الأسئلة القديمة: من المسؤول؟ كم عدد الضحايا؟ وهل ستحظى العائلات بالحق في معرفة الحقيقة؟

السلطات المحلية في الجنوب، رغم محاولاتها إظهار التعاون، تواجه اتهامات بالتباطؤ في التحقيق وعدم إشراك العائلات في متابعة عملية التوثيق. منظمات المجتمع المدني بدورها تشتكي من نقص الدعم الفني والمالي، ومن غياب التنسيق مع الجهات الرسمية، ما يجعل الجهود مبعثرة وغير منهجية، بعض المنظمات طالبت بتشكيل لجنة دولية مستقلة تشرف على عمليات الكشف والتحليل، مؤكدة أن الحفاظ على الأدلة مسألة حاسمة قبل أي إعادة دفن أو نقل للرفات.

ولم يقتصر التعامل مع هذه المواقع على الجانب الإنساني، بل يمتد إلى البعد القانوني والعدلي. فكل مقبرة هي شاهد على انتهاك محتمل قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وتوثيقها بطريقة علمية شرط أساسي لمحاسبة المسؤولين مستقبلاً.

وشدد خبراء في مجال العدالة الانتقالية على ضرورة حماية مواقع الدفن من العبث، وتجميع البيانات البيولوجية وتحليل الحمض النووي، وربطها بقاعدة بيانات المفقودين التي تعمل عليها بعض المنظمات السورية في الخارج.

وسط هذا كله، يعيش أهالي درعا حالة من القلق والترقب، البعض يخشى أن تُغلق الملفات سريعاً دون نتائج واضحة، وأن تتحول المقابر إلى رموز منسية كما حدث في مناطق أخرى من سوريا. فيما يرى آخرون أن هذه الاكتشافات، رغم قسوتها، قد تكون بداية طريقٍ نحو الاعتراف والعدالة، يقول ناشط حقوقي من المحافظة: “ما بدنا انتقام، بدنا نعرف الحقيقة، بدنا نحط اسم كل إنسان بمكانه الصحيح”.

القنيطرة القريبة من درعا تشهد بدورها اهتماماً متزايداً بعد ورود أنباء عن وجود مواقع دفن مشابهة، وإن لم يتم تأكيدها رسمياً بعد. بعض الأهالي هناك بدأوا بتوثيق شهاداتهم، في محاولة لحفظ الذاكرة قبل أن تُمحى الأدلة. في الوقت نفسه، تنتشر على وسائل التواصل صور لفرق محلية تعمل بجهود بسيطة، تنبش الأرض بأدوات يدوية، وتغطي الرفات بأكياس بلاستيكية، في مشهدٍ يختصر المأساة السورية بكل تفاصيلها.

العدالة في درعا ما تزال مؤجلة. فحتى اللحظة لا توجد آلية قضائية واضحة، ولا جهة مسؤولة تعلن نتائج التحقيق أو تنشر بيانات الضحايا. العائلات تنتظر، والمنظمات تعمل ضمن إمكانيات محدودة، والمقابر تزداد عدداً كل شهر. كل جثة تُكتشف تُعيد للسطح ذاكرة الخوف، لكنها أيضاً تفتح باب الأمل أمام حقيقةٍ كان كثيرون يظنون أنها ستبقى مطموسة إلى الأبد.

وتعتبر المقابر الجماعية أكثر من مجرد قضية إنسانية؛ إنها انعكاس لسنوات من الغياب والعنف والصمت. بين صور الرفات ودموع الأمهات، تتضح الحاجة إلى عدالةٍ حقيقية تعيد للضحايا أسماءهم، وتعيد للأحياء إيمانهم بأن الأرض التي ابتلعت أبناءهم يمكن أن تنطق أخيراً بالحقيقة.

 

- Advertisement -

- Advertisement -