لكل السوريين

مغارة الضوايات.. ذاكرة الضوء في قلب الجبل السوري

في أعماق الجبال التي تفصل بين اللاذقية وطرطوس، وعلى بعد كيلومترات قليلة من قرية بيت الوادي، تختبئ تحفة جيولوجية فريدة تحمل في طياتها ذاكرة الطبيعة السورية منذ ملايين السنين، هي مغارة الضوايات، المكان الذي تتقاطع فيه الأسطورة والعلم، والواقع والدهشة، والظلمة والنور.
منذ اللحظة الأولى التي يقترب فيها الزائر من الممرات الجبلية المؤدية إليها، يشعر أن الأرض تتغير، وأنه يدخل عالمًا آخر من الصمت والرطوبة والنقاء، كأن الزمن نفسه قد توقّف هناك، منتظرًا من يعيد اكتشافه.

تبدو المغارة من الخارج كشقٍّ صغير في الجبل، مدخل لا يوحي بما يخفيه خلفه من عوالم مدهشة. ولكن ما إن يخطو الزائر خطواته الأولى في الداخل حتى تنفتح أمامه دهاليز متشابكة، تلمع فيها الصخور كأنها مصوغة من الزجاج، ويبدأ الضوء المنعكس عن الجدران الرطبة بالرقص فوق الأسطح الكلسية في مشهد سحريّ يجعل الزائر عاجزًا عن الكلام.
إنها ليست مجرد مغارة، بل “كائن جيولوجي حي”، ينمو ويتنفس ببطء شديد، تشهد جدرانه على حركات الأرض ومياهها وعصورها المتعاقبة.

منحوتة الطبيعة الأولى: كيف تشكّلت مغارة الضوايات

جيولوجيًا، تُعد مغارة الضوايات واحدة من أكثر التكوينات الكارستية تميّزًا في الساحل السوري. تشكّلت خلال عصور جيولوجية تعود إلى حقبة الميوسين قبل نحو خمسة ملايين عام، حين كانت المنطقة بأكملها جزءًا من قاع بحر قديم غزته التصدّعات الجبلية لاحقًا.
بدأت العملية حين تسللت المياه الجوفية الغنية بثاني أكسيد الكربون إلى أعماق الصخور الكلسية، فبدأت بإذابة الطبقات الجيرية تدريجيًا، ومع مرور الزمن تشكّلت تجاويف صغيرة تحوّلت لاحقًا إلى قاعات ضخمة وممرات طويلة.
ومع استمرار تسرب المياه، بدأت قطرات الكالسيوم المتشبعة تنحدر من السقف نحو الأرض، مخلّفة وراءها ما يعرف بـالهوابط، بينما كانت الطبقات المترسبة على الأرض تشكّل الصواعد التي تنمو ببطء نحو الأعلى.
كل سنتيمتر من هذه التكوينات احتاج إلى مئات السنين لينمو، مما يجعل كل حجر وكل عمود فيها سجلًا زمنيًا دقيقًا للعصور.

تتراوح حرارة المغارة الداخلية بين 14 و16 درجة مئوية طوال العام، بغض النظر عن حرارة الصيف أو برودة الشتاء، وتبلغ نسبة الرطوبة فيها نحو 95%، مما يجعلها بيئة حساسة جدًا لأي تدخل خارجي.
يبلغ طول الممر الرئيسي قرابة 400 متر، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى وجود امتدادات جانبية قد تتجاوز الكيلومتر، لم تُستكشف بعد بسبب ضيق الممرات وخطورة التجاويف العميقة.
أما ارتفاع القاعات الرئيسية فيتراوح بين مترين وثمانية أمتار، وتزيّنها أعمدة ضخمة تشبه الأعمدة الرخامية في الكاتدرائيات، بعضها بارتفاع طابقين أو أكثر.
حين تسقط عليها الإضاءة الخافتة، تنعكس الألوان بين الأبيض النقي والرمادي والذهبي والبني، وأحيانًا الوردي الفاتح، حسب نسبة المعادن المترسبة في الماء.

يصف الجيولوجيون هذا المكان بأنه متحف طبيعي نادر، إذ يمكن من خلال دراسة الطبقات الكلسية فيه تتبّع تغيرات المناخ القديمة في المنطقة، ومعرفة الفترات التي كانت فيها الأمطار أكثر غزارة أو الجفاف أشد قسوة.
حتى اليوم، ما تزال المغارة في حالة نمو مستمر؛ كل قطرة ماء تنزل من السقف تحمل معها جسيمات معدنية دقيقة تبني أشكالًا جديدة لم تكن موجودة من قبل، كأن المكان لا يزال يكتب فصول تاريخه حتى اللحظة.

الضوء الذي لا ينطفئ: من أين جاءت تسمية “الضوايات”؟

منذ القدم، أثارت المغارة فضول سكان القرى المحيطة بها، الذين أطلقوا عليها اسم “الضوايات” بسبب تلك الظاهرة الغريبة التي لاحظوها عند مداخلها، حيث ينعكس الضوء الطبيعي على جدرانها الرطبة فيبدو كأنها تضيء من داخلها.
في الأيام المشمسة، تتسلل أشعة الشمس عبر الفتحات العليا لتتكسّر على الأسطح المائية والصخرية، مولّدة وهجًا متلألئًا يوهم الناظر أن هناك ضوءًا سحريًا ينبعث من الأعماق.
وفي الليالي، كانت النيران التي يشعلها الرعاة عند المدخل تنعكس داخل الممرات فتبدو المغارة كفانوس ضخم يضيء الجبل، وهو ما جعلهم يسمونها الضوايات أي المكان الذي يتوهّج بالضياء.

لكن التسمية لم تبقَ مجرد وصف بصري، بل اكتسبت بعدًا رمزيًا في الوعي الجمعي للسكان؛ فالضوء هنا صار دلالة على الحياة داخل الظلمة، وعلى البهاء المخبّأ في الأعماق.
كأن المغارة تحكي بلغة الطبيعة فكرة الوجود السوري نفسه: النور الخارج من رحم العتمة، والقدرة على البقاء متألقًا رغم الانغلاق والعمق.

ويروي كبار السن في بيت الوادي أن المغارة كانت تُعتبر قديمًا مكانًا “مقدّسًا”، إذ كان الناس يزورونها للتبرك أو للتأمل. كانوا يضيئون داخلها الشموع ويكتبون على جدرانها أمنيات صغيرة، اعتقادًا منهم أن “ضوء الضوايات” قادر على حمل الدعاء نحو السماء.
بل إن بعض الحكايات الشعبية تقول إن أصوات المياه التي تنساب بين الصخور في أعماقها ليست مجرد خرير طبيعي، بل “أنين الأرواح الطيبة التي تسكن الجبل”، وهي حكاية تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، لتصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية الساحلية.

من أسطورة إلى مقصد سياحي.. الضوايات اليوم

مع بدايات القرن العشرين، بدأت مغارة الضوايات تثير اهتمام الرحالة والباحثين الأوروبيين الذين زاروا الساحل السوري. فقد أشار إليها المستكشف الفرنسي جاك دو فوكون في ملاحظاته الجيولوجية عام 1929، وذكرها الجغرافي السوري أنيس فريحة في دراساته حول المغاور الكلسية في جبال طرطوس.
لكنّها لم تدخل فعليًا في خارطة السياحة السورية إلا بعد عام 1970 حين أجرى فريق من الجيولوجيين السوريين مسحًا أوليًا للموقع، تبين خلاله أن الضوايات من أجمل المغاور في شرق المتوسط من حيث نقاء الصواعد وتوازنها الطبيعي.

رغم ذلك، بقي الموقع شبه منسي لعقود بسبب ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إليه. ومع بداية الألفية الجديدة، بدأت مديرية السياحة في طرطوس بالتعاون مع البلديات المحلية أعمال تهيئة خفيفة، فتم توسيع المدخل وتأمين طريق فرعي إليه، وتركيب نظام إضاءة بسيط لإتاحة الزيارة دون الإضرار بالبيئة الداخلية.
أصبح الموقع منذ ذلك الوقت مقصدًا متزايدًا لعشاق الرحلات البيئية وهواة التصوير، إذ يجد الزائرون فيه مشهدًا طبيعيًا نادرًا يزاوج بين البرودة والرطوبة والجمال المتجمد في الحجر.

يصف أحد الزوار من دمشق تجربته قائلاً:

“حين دخلت الضوايات شعرت كأنني أهبط في نفق من الزمن. الصمت هناك له صوت، والظلمة ليست عتمة بل لون من ألوان الضوء. كل شيء في الداخل يجعل الإنسان يشعر بصغره أمام عظمة الخلق.”

ويؤكد مرشدون محليون أن المغارة تستقبل سنويًا مئات الزوار، خصوصًا في الصيف، إذ تكون الحرارة داخلها منعشة مقارنة بحرارة الساحل.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت بعض الجمعيات الأهلية بتنظيم فعاليات توعوية للأطفال داخل محيط المغارة لتعريفهم بأهمية البيئة الجيولوجية والحفاظ على المواقع الطبيعية، تحت شعار “الضوايات.. ضوء الأرض الذي لا يُطفأ”.

تُحيط بالمغارة غابات وارفة من السنديان والغار والبلوط، وتكثر في محيطها ينابيع المياه الصغيرة التي تشكل مجاري رطبة دائمة الخضرة.
هذه البيئة تشكّل نظامًا بيئيًا متكاملًا يحتضن طيورًا نادرة مثل الحجل والسنونو الجبلي، فضلًا عن أنواع من الزواحف والخفافيش التي تتخذ من تجاويف المغارة مأوى طبيعيًا.
ويؤكد خبراء البيئة أن المحافظة على هذا التنوع الحيوي ضرورة أساسية للحفاظ على توازن المغارة نفسها، لأن أي خلل في النظام البيئي المحيط ينعكس مباشرة على استقرارها الداخلي.

المغارة في الوعي الجمالي السوري.. أكثر من موقع سياحي

ليست مغارة الضوايات مجرّد موقع جيولوجي أو مقصد سياحي، بل هي رمزٌ جماليٌّ وثقافيّ عميق في الذاكرة السورية.
ففيها تتجسد صورة الأرض السورية التي تجمع بين القسوة والحنان، بين العمق والسطح، بين الصمت والعطاء. وكما نحتت الطبيعة في صخورها أعمدة من الضوء، نحت التاريخ في وجدان السوريين ذاكرة من الصبر والتجدد.
ولذلك يراها بعض الأدباء رمزًا للوطن نفسه؛ وطنٍ محجوب في العتمة لكنه لا ينفكّ يشعّ بالجمال من أعماقه.

وقد ألهمت المغارة العديد من الرسامين والشعراء. فالفنان إلياس نعمة رسم في الثمانينيات لوحة بعنوان ضوء الضوايات، جسّد فيها صراع الألوان بين العتمة والضياء، بينما كتب الشاعر الساحلي عبد الغني قصاب قصيدة بعنوان أنفاس الجبل قال فيها:

“في الضوايات ضوءٌ يشبه الذاكرة،
لا يُطفئه الغياب ولا تغشاه الأيام،
هناك يتكلّم الحجر لغةً تشبهنا،
ويُضيء الجبل حين نصمت.”

إن هذا التفاعل بين الإنسان والمكان يعكس عمق العلاقة بين السوري والطبيعة التي تحيط به؛ علاقة ليست نفعية ولا استهلاكية، بل وجدانية وروحية. فالمغارة لم تكن مجرد مشهدٍ جمالي، بل مرآة يرى فيها الإنسان السوري جزءًا من ذاته.

الضوايات كمورد وطني.. بين الحماية والاستثمار

اليوم، تطرح مغارة الضوايات سؤالًا جوهريًا حول التوازن بين السياحة والحفاظ على البيئة. فهي موقع فريد قابل لأن يكون مركز جذب سياحي ضخم، لكنه في الوقت ذاته هشّ جدًا.
يشير الخبراء إلى أن أي توسّع غير مدروس في استقبال الزوار أو استخدام إضاءة قوية أو تهوية غير طبيعية يمكن أن يغيّر النظام المناخي الداخلي للمغارة، مما يؤدي إلى تلف الصواعد والهوابط خلال سنوات قليلة.
ولهذا يطالب المهتمون بضرورة وضع خطة وطنية لإدارة الموقع بشكل علمي، تتضمن تحديد أعداد الزوار، واستخدام مواد إنارة صديقة للبيئة، وتنظيم رحلات تثقيفية تشجع على حماية التراث الطبيعي.

كما يُقترح إنشاء مركز ثقافي – بيئي قرب المدخل ليكون بمثابة متحف مصغّر يعرض صورًا ومجسّمات توضح مراحل تكوين المغارة، إضافة إلى تقديم محاضرات توعوية عن أهمية المغاور السورية عمومًا، مثل مغارة بيت الوادي، القديسة تقلا، ومغارة جعيتا في لبنان كنموذج إقليمي مقارن.
بهذه الخطوات يمكن تحويل الضوايات من موقع طبيعي جميل إلى نقطة إشعاع علمي وثقافي وسياحي.

الضوء الذي يسكن الجبل

عندما يخرج الزائر من أعماق المغارة عائدًا إلى ضوء النهار، يشعر كأنه استعاد جزءًا من ذاكرة الأرض.
هناك، في صمت الجبل، يتجلّى معنى الجمال الخالد: أن تصنع الطبيعة في الظلمة ما تعجز المدن عن صناعته في الضوء.
مغارة الضوايات ليست مجرد مكانٍ جغرافي، بل رمزٌ للثبات، وللقدرة على الاحتفاظ بالنور رغم كل العتمة.
إنها تذكّرنا بأن في قلب كل حجرٍ روحًا، وفي عمق كل ظلامٍ وميضًا ينتظر من يراه.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنها هو ما يردّده أهل بيت الوادي حين يُسألون عنها:

“الضوايات ليست مغارة، إنها قلب الجبل حين يضيء.”

 

- Advertisement -

- Advertisement -