لكل السوريين

السجناء السوريون في سجن رومية… انتظارٌ طويل وغموضٌ سياسي يطغى على العدالة

لا يزال المئات من السجناء السوريين المحتجزين في سجن رومية ينتظرون مصيراً غامضاً منذ سنوات طويلة، وسط مطالبات إنسانية متكررة بإطلاق سراحهم أو إعادتهم إلى بلادهم. وبين هؤلاء السجناء معتقلون على خلفيات مختلفة، بعضهم متهم بقضايا إرهاب، وآخرون اعتقلوا بسبب عبور الحدود بشكل غير شرعي أو المشاركة في الثورة السورية. ومع غياب خطة واضحة لمعالجة هذا الملف، تتزايد الشكوك حول وجود تلاعب سياسي بقضيتهم، ويخشى حقوقيون أن يكون هذا الملف ورقة ضغط إقليمية أكثر من كونه قضية إنسانية بحتة.

منذ الصراع السوري انخرطت قضية المحتجزين السوريين في لبنان ضمن الدفعة الأمنية التي تولتها أجهزة الدولة اللبنانية بعد معارك مدينة عرسال في عام 2014 وما تلاها من اعتقالات واسعة. ووفقاً لتقارير حديثة، فإن عدد السوريين المحتجزين في سجون لبنان – وأغلبهم في سجن رومية – يُقدَّر بأكثر من ألفي سجين. وتشير هذه التقارير إلى أن الكثير منهم لم يُعرضوا على محاكم نزيهة، كما ظلوا في الاعتقال الاحتياطي لفترات طويلة دون صدور أحكام نهائية.

يتوزع المعتقلون السوريون في لبنان إلى ثلاث فئات رئيسية: فئة متهمة بجرائم جنائية عادية أو بعبور غير شرعي، وفئة متهمة بقضايا أمنية أو إرهابية مرتبطة بالحرب السورية أو بانتماءات فكرية، وفئة ثالثة ممن اعتقلوا لأسباب سياسية مثل المشاركة في الاحتجاجات أو دعم الثورة. في هذا الإطار، تشير منظمات حقوقية إلى أن القضاء اللبناني استخدم في بعض القضايا محاكم استثنائية وإجراءات خاصة، تتيح التوقيف الاحتياطي دون مدة محددة، خاصة في القضايا الأمنية.

من ناحية أخرى، تؤكد تقارير حقوقية أن ظروف الاحتجاز في سجن رومية – بسبب الاكتظاظ الشديد والنقص في الرعاية الصحية والغذائية – تجعل من القضية أكثر من مجرد ملف قانوني، بل ورقة ضغط سياسية بين بيروت ودمشق. وتقول هذه المنظمات إن السجن الذي يستوعب نحو 1200 سجين يضم اليوم أكثر من 4000 نزيل، بينهم مئات السوريين، في ظروف توصف بأنها «قاسية وغير إنسانية».

شهد عام 2025 تطورات جديدة في هذا الملف بعد انفتاح جزئي في العلاقات بين لبنان وسوريا، وبدء محادثات رسمية بين الطرفين حول مصير السجناء. ففي أيلول من العام نفسه، جرى لقاء بين وفد من وزارة العدل اللبنانية ومسؤولين سوريين، وتم الاتفاق على تشكيل لجنتين مشتركتين: الأولى تُعنى بنقل السجناء السوريين إلى بلادهم، والثانية تبحث مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا. إلا أن هذه الاجتماعات لم تؤد حتى الآن إلى أي إجراءات عملية واضحة، إذ تصطدم بعقبات قانونية وإدارية تتعلق بغياب اتفاق تنفيذي واضح بين البلدين.

من جهة أخرى، تؤكد مصادر حقوقية أن عدداً من السجناء السوريين توفوا خلال الأعوام الماضية بسبب الإهمال الطبي وتدهور أوضاعهم الصحية داخل السجن، فيما يواجه آخرون أمراضاً مزمنة دون علاج كافٍ. وتصف جمعيات محلية ما يحدث بأنه «إهمال متعمد» و«انتهاك لحقوق الإنسان»، مطالبة بفتح تحقيقات مستقلة في حالات الوفاة وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.

يرى محللون أن سبب تعثر حل هذا الملف يعود إلى طابعه السياسي المعقد، إذ بات ورقة ضغط متبادلة بين الحكومتين اللبنانية والسورية. فكل طرف يستخدم قضية السجناء كورقة تفاوض ضمن ملفات أكبر، تشمل عودة اللاجئين وترسيم الحدود والتعاون الأمني. ووفقاً لمصادر دبلوماسية، فإن أي تقدم في هذا الملف مرتبط بمصالح إقليمية أوسع، ما يجعل حياة السجناء مرهونة بتجاذبات سياسية لا دخل لهم بها.

أما من الناحية الإنسانية، فإن انتظار هؤلاء السجناء المستمر منذ سنوات ترك آثاراً عميقة على عائلاتهم التي لا تعرف مصير أبنائها. كثير منهم لم يُسمح له بالزيارة، وبعضهم فقد الاتصال بذويه منذ سنوات. ويروي أقارب المحتجزين قصصاً عن معاناة قاسية، وعن محاولات يائسة لمعرفة ما إذا كان أبناؤهم أحياء أم توفوا داخل السجن.

القانون اللبناني لا يتضمن آلية واضحة لإعادة السجناء السوريين إلى بلادهم، رغم وجود اتفاقيات لتسليم المجرمين. وتقول منظمات حقوقية إن المطلوب اليوم هو إنشاء لجنة قضائية مستقلة لمراجعة ملفات جميع السجناء السوريين، وتصنيفهم وفقاً لوضعهم القانوني، بحيث يُفرج عن من أنهى محكوميته أو لم تثبت إدانته، ويُنقل الآخرون ضمن اتفاق قانوني واضح مع الحكومة السورية يضمن سلامتهم ومحاكمتهم وفق معايير العدالة.

كما تدعو هذه المنظمات إلى تحسين ظروف الاحتجاز في سجن رومية، وتوفير رعاية طبية ملائمة، وضمان تواصل السجناء مع عائلاتهم ومحاميهم. وتؤكد أن استمرار الوضع الراهن يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن على السلطات اللبنانية التعامل مع هذا الملف بعيداً عن الحسابات السياسية والإقليمية.

تبقى قضية السجناء السوريين في سجن رومية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على احترام حقوق الإنسان وتطبيق العدالة بعيداً عن الضغوط السياسية. كما تمثل تحدياً للعلاقات اللبنانية السورية التي تتأرجح بين التعاون والتوتر. وحتى اللحظة، لا يزال مصير مئات السوريين خلف أسوار رومية معلقاً بين الأمل والخوف، في انتظار قرارٍ سياسياً يُنهي سنواتٍ طويلةً من الغموض والمعاناة.

- Advertisement -

- Advertisement -