لكل السوريين

موسم المكدوس في سوريا… النساء يتصدّرن المشهد بين الفرح والتحدي

تقرير/ جمانة الخالد

مع انحسار حر الصيف واقتراب الخريف، يطلّ موسم المكدوس على السوريين كأحد أبرز الطقوس الغذائية والاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. فالمكدوس لم يعد مجرد “مونة شتوية” تحفظ في أوعية زجاجية أو براميل، بل أصبح طقساً عائلياً واجتماعياً يرسّخ الروابط بين الأهل والجيران، ويؤكد الدور المحوري للنساء اللواتي يتصدرن هذا المشهد السنوي بحيوية وصبر.

في مدينتي حمص ودمشق، كما في بقية المحافظات السورية، تزدحم الأسواق بحركة غير اعتيادية في مثل هذا الوقت من السنة. الأعين شاخصة إلى بسطات الباذنجان والفليفلة والجوز وزيت الزيتون، فيما الأصوات تتعالى بالمساومة والمفاصلة على الأسعار. النساء هنا لسن مجرّد متسوقات، بل قائدات لمشروع غذائي متكامل، يحددن الكمية، ويخترن النوعية، ويضعن ميزانية دقيقة توازن بين الرغبة في تحضير المكدوس والحاجة إلى تقليل النفقات.

في سوق الخضار المركزي بحمص، بدت أم محمد مبتهجة وهي تحمل كيساً ممتلئاً بالباذنجان:

“الأسعار هذا العام أفضل بكثير. دفعت عشرين ألف ليرة مقابل عشرة كيلوغرامات، بينما دفعت العام الماضي ضعف هذا المبلغ. سأبدأ بالتحضير باكراً لأسبق موجة الغلاء، وأضمن أن يكون مكدوسي جاهزاً قبل الشتاء”.

أما في دمشق، حيث يضجّ سوق الهال بالمتسوقين، فتقول سمر:

“الأسعار أقل من العام الماضي لكنها ما زالت مرهقة بالنسبة لدخلنا. سأجهز كمية صغيرة، فالمكدوس لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه بات عبئاً سنوياً على النساء، خاصة مع تكاليف الزيت والجوز”.

النساء بين المطبخ والعمل التجاري

لم يتوقف دور النساء عند تحضير المكدوس لأسرهن فقط، بل تعدى ذلك ليأخذ بعداً اقتصادياً. ففي حمص وريفها، بدأت نساء كثيرات بتحويل مهارتهن في إعداد المكدوس إلى نشاط تجاري موسمي. تقول أم يوسف، التي تعمل مع بناتها على تجهيز الطلبات:

“هذه مهنتنا كل عام. نقوم بتجهيز المكدوس بكميات كبيرة للأسر التي لا تملك وقتاً أو قدرة على التحضير. تكاليف التحضير هذا الموسم أقل مما كانت عليه العام الماضي، وهذا ساعدنا على جذب زبائن أكثر”.

دور النساء في الحقول

إلى جانب دورهن في البيوت، كان للنساء حضور بارز في الحقول أيضاً. أبو علي، مزارع من ريف حمص، يؤكد أن النساء أسهمن بشكل مباشر في جني المحاصيل وفرزها:

“اعتمدنا عليهن كثيراً هذا الموسم، خاصة أن المحصول كان وفيراً، وهو ما ساعد في تأمين الباذنجان والفليفلة بكميات كبيرة وأسعار مقبولة للأسواق”.

المكدوس كطقس اجتماعي

في الأحياء الشعبية، يتحول تحضير المكدوس إلى مهرجان منزلي مصغّر. تجتمع النساء في بيت واحد، يتقاسمن المهام، تتعالى الضحكات، وتُروى الحكايات القديمة. تقول الجدة أم أحمد من حي باب تدمر بحمص:

“المكدوس ليس مجرد طعام. هو مناسبة نلتقي فيها نحن والجارات، نتعاون ونتبادل القصص. ننسى همومنا ونحن نغمر الباذنجان بالثوم والجوز”.

مواجهة الغلاء بطرق مبتكرة

ورغم انخفاض الأسعار نسبياً هذا الموسم، يبقى شبح الغلاء ماثلاً أمام الأسر. بعض النساء يلجأن لحيل مبتكرة مثل خلط الجوز بالبقدونس أو تحضير كميات صغيرة تكفي الحد الأدنى من الحاجة. بينما يفضّل آخرون شراء كميات كبيرة خوفاً من قفزات مفاجئة في الأسعار. يقول أبو خالد من دمشق:

“اشتريت كمية مضاعفة هذا العام. تعلمنا من السنوات السابقة أن الأسعار يمكن أن ترتفع بين ليلة وضحاها”.

من البيوت إلى المطاعم

ولم يقتصر حضور المكدوس على البيوت، إذ بدأت مطاعم دمشق الشعبية والحديثة على حد سواء بإدراجه على موائدها كطبق تراثي أصيل، يجذب الزبائن ويثير لديهم الحنين. وهكذا، تحوّل المكدوس من مونة منزلية إلى رمز للمطبخ السوري يعكس الهوية ويقاوم الاندثار.

صمود النساء في وجه الأزمات

في نهاية المطاف، يعكس موسم المكدوس قدرة النساء السوريات على الجمع بين الصبر والإبداع في مواجهة الظروف الاقتصادية الضاغطة. فبينما يتراجع دخل الأسر وتزداد أعباء المعيشة، يبقى هذا الموسم مساحة للفرح المشترك، وعنواناً للصمود، وجسراً يصل الماضي بالحاضر عبر نكهة لا تغيب عن موائد السوريين في الشتاء.

- Advertisement -

- Advertisement -