دمشق/ مرجانة إسماعيل
في شوارع دمشق التي أنهكها الزمن، تتنفس سوق “البالة” الحياة. هنا، حيث تمتد البسطات المحملة بأكوام من الملابس المستعملة، لا يبدو الأمر مجرد تجارة عابرة، بل هو مشهد يومي لمعركة الكرامة في مواجهة القهر المالي. فتحت سقف من الخيش البالي، يصارع السوريون من أجل الحصول على ما يستر أجسادهم ويكفل لهم شيئاً من الدفء والاعتبار، في بلد لم يعد فيه للرواتب من قيمة تذكر.
هذا السوق، الذي تشتهر به منطقة الإطفائية، لم يعد مجرد مكان لبيع الملابس القديمة، بل تحول إلى أيقونة للبقاء. فبعد أن أصدرت الحكومة السورية قراراً بمنع استيراد وبيع “البالة” في آذار الماضي بحجة حماية الصناعة الوطنية، كان المتوقع أن تختفي هذه الظاهرة. لكن الذي حدث كان عكس ذلك تماماً. لقد نما السوق وكبر، وأصبح أكثر حيوية وتنظيماً تحت الأرض، فيما يشبه عصياناً مدنياً صامتاً ضد قرار يعتبره الناس منفصلاً عن واقعهم.
طرق التهريب، كما يرويها الباعة هنا، أصبحت جزءاً من فولكلور السوق. فالشاحنات الصغيرة القادمة من حدود لبنان، أو تلك التي تعبر من مناطق مثل سرمدا واللاذقية، تمثل شريان الحياة لهذا السوق. أحد الباعة، الذي فضل أن يطلق على نفسه اسم “أبو محمد”، يقول إن السلع تأتي عبر طرق وعرة لتفادي نقاط التفتيش، مضيفاً: “الحكومة تريد منعنا، لكن كيف تمنع جوعاً؟ كيف تمنع حاجة الناس إلى اللباس؟”.
واللافت أن سوق البالة لم يعد يعتمد فقط على الملابس المستوردة، بل أصبح جزءاً من الاقتصاد المحلي المعاد تدويره. فكثير من البضائع المعروضة اليوم هي من مخازن قديمة تم إفراغها أو من تبرعات محلية، في مؤشر على أن الناس لم تعُد قادرة على شراء الجديد حتى من المصانع الوطنية التي يفترض أن القرار يهدف إلى حمايتها.
ورغم انخفاض الأسعار نسبياً مقارنة بما كانت عليه في السابق، إلا أن الغرامات المفروضة على الباعة أصبحت كابوساً يومياً. فبائع مثل غسان طباع، الذي يعمل في السوق منذ سنوات، وجد نفسه أمام غرامة فاقت ثلاثة ملايين ليرة لأنه يملك بسطة صغيرة. يتساءل: “كيف سأدفع هذا المبلغ؟ كم قميصاً مستعملاً عليّ أن أبيع لأجمع هذا المبلغ؟”. وهو يؤكد أن المنع دون بديل يعني تشريد عائلات بأكملها تعتمد على هذا السوق في تأمين قوتها.
من جهة أخرى، انقسم الزبائن بين مؤيد ومعارض. بعضهم يرى أن جودة “البالة” تحسنت وأصبحت خياراً أفضل من الملابس الجديدة ذات الأسعار الفلكية. فيما يرى آخرون أن الفارق السعري بينها وبين الملابس الوطنية الجديدة لم يعد كبيراً، مما يدفعهم إلى تفضيل شراء الجديد. لكن الغالبية العظمى لا تملك خياراً آخر. فالقدرة الشرائية للسوري العادي لم تعد تسمح له بالتفكير في “ماركة” أو “جودة” بالمعنى التقليدي، بقدر ما أصبح همه هو “القدرة على الشراء” فحسب.
هذه السوق، برغم فوضاه الظاهرة، تروي قصة أكبر من مجرد تجارة ملابس مستعملة. إنها قصة صمود أمام سياسات يعتبرها كثيرون غير مبالية بمعاناة الناس. فبينما ترى الحكومة أن “البالة” تهدد الصناعة، يرى فيها السوريون متنفساً وحيداً أمام أزمة معيشية طاحنة. والنتيجة هي أن السوق يستمر، ليس لأنه قانوني، بل لأنه ضروري. وهو درس قاسٍ في أن حاجات الناس قد تخلق قوانينها الخاصة، حين تفشل القوانين الرسمية في فهم هذه الحاجات.