حلب/ خالد الحسين
في قلب حلب القديمة، وعلى بعد أمتار قليلة من الجامع الأموي الكبير، يقع معلم أثري وتاريخي يختزن بين جدرانه عبق الماضي وأصالة الحاضر. إنه “خان الصابون”، ليس مجرد مبنى قديم، بل هو شاهد على حضارة عريقة، ورمز لصناعة حلبية عريقة اشتهرت بها المدينة لقرون طويلة: صناعة صابون الغار.
تاريخ خان الصابون يمتد إلى القرون الوسطى، حيث تم بناؤه في القرن الخامس عشر الميلادي، ليكون مركزاً تجارياً حيوياً، ومستودعاً للمواد الأولية اللازمة لصناعة الصابون. كان الخان يضمّ ورشاً لإنتاج الصابون، بالإضافة إلى محلات تجارية لبيعه، ومساكن للعمال والتجار. كان بمثابة “مجمع صناعي تجاري” متكامل، يتوافد عليه التجار من مختلف أنحاء العالم لشراء صابون الغار الحلبي الشهير.
يتميز صابون الغار الحلبي بجودته العالية ومكوناته الطبيعية. فهو يُصنع من زيت الزيتون وزيت الغار، وهي مواد طبيعية تُعرف بخصائصها العلاجية والجمالية. يعود الفضل في هذه الجودة إلى الخبرة المتوارثة عبر الأجيال، والتي تحافظ على سرّ صناعة هذا الصابون، من طريقة تحضير المكونات إلى عملية التجفيف والتقطيع.
قبل اندلاع الحرب في سوريا، كان خان الصابون مركزاً نابضاً بالحياة. كان زواره من السياح المحليين والأجانب يتوافدون عليه للاطلاع على عملية صناعة الصابون، وشراء الهدايا التذكارية. كانت رائحة الصابون تفوح في كل زاوية، وتتداخل مع رائحة التاريخ العابقة من جدران الخان. كان المكان أشبه بمتحف حيّ، يروي قصة حلب وتراثها الصناعي.
لكن الأزمة التي عصفت بحلب، تركت بصماتها على خان الصابون. خلال معارك المدينة، تعرض الخان لأضرار جسيمة، شأنه شأن الكثير من المعالم الأثرية في المدينة القديمة. تهدمت أجزاء من جدرانه، وسُرقت محتوياته، وتوقف العمل فيه. تحول المكان من مركز حيوي إلى مجرد أطلال، يحكي قصص الدمار والحرب.
بعد استعادة السيطرة على المدينة، بدأت جهود إعادة الإعمار، ووصلت هذه الجهود إلى خان الصابون. بدأ أصحاب الورش والمحلات في ترميم مبانيهم، وإعادة فتح محلاتهم. كان هذا الأمر بمثابة عودة الروح إلى المكان، وإشارة إلى إرادة الحلبيين في استعادة حياتهم وتراثهم.
اليوم، خان الصابون يستعيد عافيته ببطء. زواره قليلون مقارنة بما كان عليه الحال، لكنهم ما زالوا يأتون، بعضهم من سكان حلب، وبعضهم من المدن السورية الأخرى. يشترون صابون الغار، ويستمعون إلى حكايات الماضي من أصحاب المحلات، الذين يصرون على الاستمرار في مهنتهم.
قصة خان الصابون هي قصة صمود حلب وأهلها. هي قصة إرادة الحياة التي تتغلب على الدمار. هي قصة صابون الغار، الذي يُعدّ أكثر من مجرد منتج، بل هو رمز للتاريخ والثقافة والتقاليد. خان الصابون، وإن تعرض للدمار، إلا أنه ما زال يحتفظ بروحه، وروحه هذه هي التي ستعيده إلى الحياة، وتجعله مرة أخرى، مركزًا نابضًا بالحياة في قلب حلب.
خان الصابون ليس مجرد مبنى قديم، بل هو جزء من هوية حلب. هو الذاكرة الحية للمدينة، والشهادة على عراقتها. هو رمز للتراث الصناعي، الذي يجب أن نحافظ عليه، وأن نروي قصته للأجيال القادمة، لكي لا يُنسى صابون الغار الحلبي، ولا تُنسى حكاية خان الصابون.