دمشق/ مرجانة إسماعيل
لا يزال السكن الجامعي في العاصمة السورية دمشق يشكل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث يعاني آلاف الطلاب من ظروف معيشية صعبة تتنافى مع أبسط معايير الحياة الكريمة. فما يفترض أن يكون مكاناً آمناً ومريحاً للدراسة والاستقرار النفسي، تحول إلى بيئة غير صحية تفتقر لأدنى مقومات العيش الكريم، وسط غياب حلول جذرية من الجهات المعنية.
تستقبل المدينة الجامعية في دمشق، التي تأسست عام 1962، أكثر من 35 ألف طالب وطالبة قادمين من مختلف المحافظات السورية، حيث تشترط إدارة الجامعة أن يكون الطالب من منطقة تبعد 40 كيلومتراً على الأقل عن العاصمة ليحق له الحصول على مكان في السكن. لكن هذه الأعداد الكبيرة تفوق بكثير الطاقة الاستيعابية للمباني، مما أدى إلى اكتظاظ غير مسبوق، حيث تضم الغرفة الواحدة في بعض الأحيان ما يصل إلى 10 طلاب، بينما تبقى غرف أخرى شبه فارغة بسبب المحسوبيات والواسطة.
وتتوزع الوحدات السكنية على مناطق المزة والهمك وبرزة، بالإضافة إلى سكن خاص بطلاب الدراسات العليا. ورغم المحاولات المتكررة لتحسين الوضع، مثل إطلاق نظام إلكتروني لتسجيل الطلاب، وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب تردي البنية التحتية للمباني، حيث تعاني العديد من الوحدات من تشققات في الجدران، خاصة بعد الزلزال الذي ضرب سوريا في فبراير 2023، مما جعل بعض الأبنية غير آمنة للسكن. كما أن انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وعدم توفر مياه ساخنة للاستحمام، وانتشار الرطوبة والعفن في الغرف المجاورة للحمامات، كلها عوامل تجعل الحياة اليومية في السكن الجامعي أشبه بالعقاب الجماعي.
وتقول إحدى الطالبات، التي فضلت عدم ذكر اسمها: “نعيش في غرفة مكتظة بثماني طالبات، لا يوجد مساحة شخصية لأحد، والحمامات في حالة مزرية. حاولنا تقديم شكاوى، لكن لا أحد يستجيب”. أما طالب آخر من كلية الطب فيروي كيف أن “طلاب الكليات العلمية يحصلون على معاملة تفضيلية، حيث يسكن اثنان أو ثلاثة فقط في الغرفة، بينما يُحشر طلاب الكليات الأدبية مثل الآداب والتربية في غرف تضم عشرة أشخاص أو أكثر”.
وفي محاولة للهروب من هذه الظروف، يلجأ العديد من الطلاب إلى استئجار شقق خارج السكن الجامعي، رغم التكاليف الباهظة التي لا يقدر عليها معظمهم. وتقول طالبة من محافظة السويداء: “اضطررت إلى مشاركة شقة مع ثلاث زميلات لأن العيش في السكن أصبح مستحيلاً. الغرف مكتظة، والمياه تنقطع باستمرار، ولا يوجد أي اهتمام بالنظافة”.
أما طلاب الدراسات العليا، الذين من المفترض أن يحصلوا على ظروف أفضل، فإنهم يعانون أيضاً من إهمال واضح. فبحسب أحد الطلاب في كلية الطب البشري، “تم ترميم جزء بسيط من المرافق منذ سنوات، بينما بقيت الأجزاء الأخرى في حالة يرثى لها. الحمامات معطلة، والمياه الساخنة غير متوفرة، والكهرباء تنقطع يومياً لساعات”.
ورغم الوعود المتكررة من إدارة الجامعة بتحسين الأوضاع، فإن التغيير على الأرض يبقى بطيئاً وغير كافٍ. فمشاريع الترميم، إن وجدت، تترك نصفها غير مكتمل، كما أن الصيانة الدورية للمرافق شبه معدومة. ويشير أحد المشرفين في سكن الدراسات العليا إلى أن “المولدات الكهربائية لا تعمل بشكل منتظم، والطلاب مجبرون على الدراسة في ظلام دامس أثناء فترات التقنين”.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث أدت العقوبات الدولية ونقص التمويل إلى تدهور الخدمات العامة، بما فيها التعليم العالي. لكن الطلاب يتساءلون: لماذا يتم تخصيص ميزانيات لمشاريع ثانوية بينما تبقى مشكلاتهم الأساسية دون حل؟ ولماذا تتحمل أجيال من الطلاب وطأة الإهمال والفساد الإداري؟
في النهاية، فإن أزمة السكن الجامعي ليست مجرد مشكلة سكنية عابرة، بل هي قضية تمس مستقبل التعليم في سوريا. فبدون بيئة مناسبة للدراسة، يصبح من الصعب على الطلاب تحقيق إمكاناتهم العلمية، مما ينعكس سلباً على مستقبل البلاد ككل. ويتساءل الكثيرون: إلى متى ستستمر هذه المعاناة؟ وهل هناك أمل في رؤية تحسن حقيقي في القريب العاجل؟
في غياب الإرادة السياسية والحلول الجذرية، يبدو أن آلاف الطلاب سيستمرون في العيش ضمن هذه الظروف المأساوية، حيث يتحول الحلم الجامعي إلى كابوس يومي. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إذا كان السكن الجامعي، الذي يفترض أن يكون نموذجاً للتنظيم والرعاية، يعاني كل هذا الإهمال، فما هي حال باقي القطاعات في البلاد؟