يعتبر فن مسرح خيال الظل من أهم أشكال التعبير الفني والثقافي الشعبي في سوريا، حيث يمتد جذوره إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حاملاً في طياته الكثير من القيم الاجتماعية والتراثية. عبر عقود، شكّل هذا الفن وسيلة للتواصل والترفيه، وأداة لطرح القضايا الاجتماعية والسياسية، وجسرًا بين الأجيال من خلال الحكايات والشخصيات الرمزية التي تعكس الحياة اليومية للمجتمع السوري. لكن، وكما هو حال الكثير من أشكال التراث الثقافي في سوريا، واجه خيال الظل أخطاراً كبيرة بسبب التحولات الاجتماعية، والتطور التكنولوجي، وأزمات الحرب، التي هددت وجوده بالاندثار.
تاريخ فن خيال الظل في سوريا: من عراقة الماضي إلى غياب طويل
شهد فن خيال الظل في سوريا ازدهاراً ملحوظاً خلال القرن التاسع عشر والعشرين، خاصة في دمشق وحلب وجزيرة أرواد الساحلية، حيث كان “المخايلين” ـ وهم الحكواتيون وفنانو تحريك دمى الظل ـ يقدمون عروضاً مميزة لشخصيتي “كركوز” و”عيواظ” اللتين تعدان رمزين ثقافيين يحاكيان المجتمع بروح الفكاهة والنقد الاجتماعي. كان هؤلاء الفنانون يتنقلون بين المقاهي والساحات، محملين بشاشات العرض وأدوات صناعة الدمى، يحيون قصصاً وحكايات تحمل حكمة الأجداد ومرآة للواقع.
إلا أن عام 1970 شكل نهاية حقبة طويلة مع وفاة آخر المخايلين المعروفين في سوريا، أبو عزت حبيب، الذي أسدل الستار على آخر عرض مسرحي لخيال الظل في البلاد. ومنذ ذلك الحين، دخل الفن مرحلة من الخمول، وأصبح يهدده الانقراض، خصوصاً مع تقدم وسائل الترفيه الحديثة وتغير أنماط الحياة الاجتماعية.
محاولات الإحياء والعودة: شادي حلاق وأولى الخطوات الحديثة
في عام 1993، برزت محاولة جادة لإعادة إحياء فن خيال الظل في سوريا، عبر الفنان شادي حلاق، ابن حكواتي دمشق المعروف رشيد الحلاق “أبوشادي”. استلهم شادي من إرث والده وبدأ بإعادة صناعة شخصيات كركوز وعيواظ بنفسه، مستخدماً الجلد الطبيعي، وصمم صندوق الحكايا الخاص به، ليمارس دوره كمخايل وحيد في سوريا آنذاك. شكّلت هذه الخطوة بداية جديدة، تمهد الطريق نحو إعادة الاعتبار لهذا التراث الفني الذي لطالما كان جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية السورية.
خطر الاندثار والحرب: التراث الثقافي في مهب الريح
مع انطلاق الأزمة السورية عام 2011، واجه التراث الثقافي السوري أزمات غير مسبوقة. فقد تعرضت المواقع التاريخية، والمتاحف، والفنون الشعبية إلى تهديد حقيقي بسبب الحرب الدائرة، والتهجير القسري، والدمار المستمر. وسقطت الكثير من كنوز التراث في الظل، مثل خيال الظل، الذي كاد أن يختفي تماماً نتيجة انعدام الفرص لممارسته، وانحسار اهتمام الأجيال الجديدة به.
إلا أن هذا الخطر لم يكن نهاية المطاف، بل كان دافعاً لإعادة النظر والعمل الجاد للحفاظ على التراث الثقافي اللامادي، ومنه مسرح خيال الظل، كونه يعكس هوية شعب وتاريخه وحياته اليومية.
الاعتراف الدولي وخطة الصون: شراكة وطنية وعالمية
في مواجهة هذا الواقع، شهد عام 2014 انطلاق جهود مشتركة بين الجهات الحكومية، والمنظمات غير الحكومية، والأمانة السورية للتنمية، وجامعي التراث، لتسليط الضوء على أهمية مسرح خيال الظل، وترشيحه لقوائم التراث الثقافي اللامادي الذي يحتاج إلى صون عاجل لدى منظمة اليونسكو.
وفي نوفمبر 2018، أدرجت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث اللامادي التابعة لليونسكو عنصر مسرح خيال الظل السوري في قائمة التراث الثقافي اللامادي الذي يواجه خطر الاندثار، ما شكّل إنجازاً ثقافياً وسلامة وطنية، وفتح الباب أمام تنفيذ خطة صون ممنهجة على مدار أربع سنوات.
تهدف هذه الخطة إلى نقل المعارف، وتدريب جيل جديد من المخايلين، وإقامة عروض مسرحية في مختلف المحافظات السورية، إلى جانب توثيق التراث والطباعة والنشر، بما يضمن استمرارية هذا الفن واندماجه في الحياة الثقافية المعاصرة.
اكتشافات تراثية: أرواد وحلب.. كنوز تغذي الإحياء
كانت الاكتشافات التي جرت في السنوات الأخيرة دافعاً إضافياً لتكثيف جهود الإحياء. ففي التكية السليمانية بدمشق أقيم معرض “ظلال” عام 2019، حيث عرض الفنان عبد الرحمن حجازي شاشة خيال الظل التي ورثها عن جده من جزيرة أرواد، مع مجموعة من الدمى التي تروي حكايات الصيادين في الساحل السوري.
كما شهدت حلب العثور على صندوق تراثي لأكثر من 150 قطعة من دمى خيال الظل، تعود لعائلة أرمنية حافظت عليها عبر أجيال، ونجت من أهوال الحرب. هذه الكنوز قدمت مادة غنية لدراسة الفن، وعززت من قيمة العمل على إحيائه.
برامج تدريبية ومبادرات مجتمعية: المخايلون الجدد
منذ يونيو 2019، أطلقت الأمانة السورية للتنمية برنامجاً تدريبياً شاملاً لاستقطاب شباب وشابات من مختلف المحافظات، لتدريبهم على صناعة الدمى، وتقنيات الأداء الصوتي والحركي، وفنون العرض، بهدف تشكيل جيل جديد من المخايلين القادرين على مواصلة هذا التراث وإضافة أبعاد معاصرة له.
شمل التدريب أقساماً نظرية وعملية تناولت تاريخ خيال الظل، وأدواته، وتقنيات الحرف، وأسس الأداء المسرحي، وأخيراً صناعة الدمى من جلد البقر، مع التركيز على الإبداع والتجديد في الشخصيات والسيناريوهات.
في عام 2021، تخرجت الدفعة الأولى من هذه المبادرة في احتفالية “مخايلون سوريون” على خشبة مسرح الدراما بدار الأسد في دمشق، حيث عرض الفريق 24 شخصية جديدة تحمل أسماء تعكس الواقع الاجتماعي السوري، من الفقر إلى النزوح، مروراً بالمقاومة والنجاح. كان ذلك دليلًا على أن خيال الظل ليس مجرد فن تقليدي، بل منصة للتعبير الفني المعاصر.
خيال الظل اليوم: إرث حي يتحدى المحن
استمرت النشاطات طوال السنوات التالية بتنظيم عروض فنية في الأماكن العامة، وورش عمل للأطفال واليافعين، وتدريب فرق جديدة في محافظات مثل السويداء وحلب، ما ساهم في إعادة دمج هذا الفن في النسيج الثقافي السوري.
وتؤكد شيرين نداف، مشرفة مشروع تطوير خيال الظل في الأمانة السورية للتنمية، أن هذا الفن بات في “حالة جيدة”، وأصبح أحد رموز الهوية الثقافية الوطنية التي تتحدى نسيان الحرب والشتات.
ختاماً، يظل فن خيال الظل السوري مرآة حية لتاريخ الشعب السوري، وتعبيراً نابضاً عن صموده وأمله، يحمل بين ظلاله قصصاً عن الحياة والمقاومة، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للربط بين ماضيهم وهويتهم المستقبلية. إنه تراث لا يموت، بل ينبض بالحياة من جديد بفضل جهود المخلصين له، ورغبة السوريين في الحفاظ على تراثهم الفني والثقافي رغم كل الصعاب.