طرطوس/ اـ ن
يجد المزارعون في محافظة طرطوس أنفسهم اليوم أمام واقع شديد التعقيد، إذ يقفون حائرين دون معرفة ما يمكن فعله في ظل ظروف استثنائية، حيث يزرعون من دون توفر الري ضمن موسم جاف شحّت فيه الأمطار، ومن دون قدرة على تأمين مستلزمات الزراعة والحصاد والتسويق وتسليم المحصول. ونتيجة ذلك، أصبحت الربحية أقل من التكاليف، وقد يحالف الحظ بعض المزارعين في بعض الأصناف، محققين ربحاً محدوداً.
ورغم أن بعض أصناف الفواكه والخضار بدت أفضل قليلاً من المحاصيل الرئيسية، فإن القدرة الشرائية بقيت غير متكافئة ولن تفي بالغرض دون دوران عجلة الإنتاج وعودة النشاط التسويقي. ويؤكد مختصون أن اللوم لا يمكن تحميله لطرف محدد، فالظروف المناخية القاسية كانت صاحبة الكلمة الفصل ولم تخدم الزراعة ولا الجهات الحكومية المعنية بالقطاعين الزراعي والصناعي والاقتصادي.
وعانت الزراعة في طرطوس خلال السنوات الماضية سلسلة واسعة من الصعوبات، بدءاً من سوء الإدارة لدى الحكومات السابقة، مروراً بالتدهور الاقتصادي والمعيشي الكبير، وصولاً إلى مواسم الجفاف المتلاحقة وآخرها الموسم الحالي. وقد وصل المزارع ومنتجاته إلى مرحلة شديدة الهشاشة، وبات ينتظر أي دعم ممكن، إذ أصبحت المحاصيل الزراعية في مهب الريح، وينطبق هذا الواقع أيضًا على الثروة الحيوانية من دواجن وأبقار وأغنام، وعلى منتجاتها من بيض المائدة والحليب والألبان والصناعات الغذائية.
وتشير المعطيات إلى أن توصيف واقع الزراعة في طرطوس اليوم ليس أمراً سهلاً، خصوصاً أن الحكومة الجديدة استلمت قطاعاً زراعياً متهالكاً بلا دعم لوجستي. وزادت شدة الجفاف هذا العام من صعوبة الوضع، وفي السنوات العشر الأخيرة لم تتوفر أي مقومات حقيقية لنجاح الزراعة؛ فالبذار سيئة، والمكننة الزراعية مدمرة، والأسمدة شحيحة، وطرق الري قديمة وغير فعّالة. كما أن مستلزمات الإنتاج لم ترقَ إلى مستوى الحد الأدنى، إضافة إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الاستثمار خلال السنوات الماضية.
وتتمثل أبرز التحديات التي تعيق العمل الزراعي في طرطوس بضرورة إعادة الأراضي الزراعية إلى الإنتاج بعد التحرير، والتوسع في المساحات القابلة للزراعة، واستصلاح الأراضي غير الصالحة، وهي خطوات ضرورية لإعادة إطلاق العمل الزراعي. كما تبرز الحاجة إلى تأمين المستلزمات الزراعية من البذار الجيدة والمكننة الحديثة، بهدف دعم الإنتاج المحلي، مع ضرورة الرقابة على المواد الزراعية المستوردة مثل بذار البطاطا وغيرها.
ويعد التحول السريع إلى وسائل الري الحديثة ومراقبة حفر الآبار الجوفية واستثمارها بشكل صحيح خطوة أساسية، إضافة إلى أهمية إحصاء الثروة الحيوانية وتحديد احتياجات نهوض هذا القطاع الحيوي، سواء عبر تحسين الولادات، أو استيراد البكاكير، أو توفير أصناف جيدة من الصيصان وسلالات النحل. كما يعد تحديد الهوية الاقتصادية لسوريا بدقة كبلد زراعي خطوة أولى قبل اتخاذ أي قرار، لأن تحديد الهوية يسهم في إدارة الملف الزراعي بشكل صحيح.
وفيما يتعلق بالمنتجات الزراعية المستوردة، يشدد مختصون على ضرورة وضع روزنامة زراعية متكاملة للحفاظ على المنتج المحلي، مع أهمية تحديد المواصفات السورية الزراعية بدقة لضمان التصدير بالمستوى المطلوب بما يواكب المعايير العالمية، وضمان أن يكون المنتج المستورد مناسباً للسوق المحلية.
من جانب آخر، تتعدد مصادر التلوث في محافظة طرطوس، بدءًا من الصرف الصحي الذي يلوث الأنهار والسدود والبحر، مروراً بأدخنة معمل الإسمنت ومخلفات المحطة الحرارية في بانياس، وليس انتهاءً بالمبيدات الزراعية والبيوت المحمية المغطاة بالنايلون ومكبات القمامة ومياه الجفت الناتجة عن معاصر الزيتون.
ويحيط التلوث البيئي بالمحافظة من كل الجهات، وتنعكس آثاره السلبية على البيئة والكائنات الحية، كما يتسبب بأمراض خطيرة أبرزها السرطانات التي تهدد صحة السكان في تلك المناطق الملوثة. وتعد المبيدات الزراعية أحد أبرز مصادر تلوث المياه الجوفية، إذ يؤدي استخدامها المفرط والعشوائي إلى عواقب صحية وبيئية كبيرة.