القنيطرة/ رجاء مختار
اتكئ المزارع حسن على إحدى أشجار بستان الزيتون الذي زرعه والده منذ أكثر من ثلاثين عاماً في قرية جباتا الخشب، وقال بصوتٍ يملؤه الحزن: “هذه الأشجار كانت مصدر رزقنا وهويتنا، واليوم جُرفت في ساعات قليلة، وأصبح كل شيء مدمراً”.
كان حسن يشير إلى جذوع مقطوعة وأرض محروثة، لم تعد تصلح للزراعة، بعدما قامت قوات إسرائيلية بتجريفها وإنشاء مواقع عسكرية على مساحات واسعة من أراضي القنيطرة الحدودية.
في قرية مجاورة، جلست فاطمة بجانب جذع شجرة زيتونٍ عمرها خمسون عاماً، تقول: “كنت أنتظر موسم الحصاد لأوفر لأطفالي مستلزماتهم، واليوم لا بستان ولا زيت ولا أمل. كل ما زرعناه على مر السنوات اختفى بين الجرافات وآليات الجيش الإسرائيلي”.
وكانت الشهادة الأخرى من علي، الذي رأى معظم بستانه يُجرف دون إنذار، قائلاً: “دخلوا فجراً، لم نتمكن من جمع محصولنا ولا من حماية ما بقي. الأشجار التي كانت معنا منذ عقود أصبحت حطاماً”.
تأثر الأهالي لم يقتصر على خسارة المحصول فحسب، بل امتد ليشمل الجانب النفسي والاجتماعي، فالمزارعون لم يفقدوا مجرد شجرة، بل فقدوا جزءاً من هوية عائلتهم وميراث أجدادهم. “أم فادي” من قرية الحَميدية قالت: “كنا نحتفل بالحصاد كل سنة، اليوم أشجارنا ذهبت، وما تبقى لنا إلا الصور والذكريات”.
ومع فقدان الأشجار، خسر الأهالي مصدر دخلهم الوحيد، وواجهوا صعوبة في تغطية الاحتياجات اليومية والمدرسية لأطفالهم.
الأثر البيئي كان واضحاً أيضاً، فقد أدى تجريف الأشجار إلى ترك التربة عارية، ما زاد من انجرافها مع الأمطار وحدوث تآكل في الأراضي، وأصبح الوصول إلى المياه الجوفية أصعب.
أحد المهندسين الزراعيين من المنطقة قال: “الجرافات لم تدمّر الأشجار فحسب، بل دمّرت القدرة على استدامة الأرض، والتهديد الآن يشمل الموسم القادم، ليس هذا الموسم فقط”.
في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الأرض، بدأ بعض الأهالي بزرع أشجار بديلة، لكنهم يواجهون صعوبة كبيرة بسبب نقص الموارد والأدوات، بالإضافة إلى القلق المستمر من تدخلات جديدة قد تؤدي إلى مزيد من الجرف، يوسف، أحد المزارعين، قال: “زرعنا شجرة جديدة، لكننا نعيش في خوف كل يوم. ماذا لو جرفت كما جرفت الأشجار القديمة؟”.
الأهالي يصفون هذه العمليات بأنها منهجية، وليست مجرد سرقة عشوائية، فقد استخدمت القوات الجرافات الثقيلة لإزالة الأشجار والمراعي المحيطة بها بسرعة، ما منع السكان من حماية محصولهم أو إنقاذ جزء منه.
كما تحول معظم الأراضي التي جرفت إلى مواقع عسكرية، ما يعيق أي محاولات للزراعة أو الحصاد في المستقبل القريب.
في النهاية، يظهر واقع القنيطرة اليوم كصورة مؤلمة لصراع طويل الأمد على الأرض. الأهالي يقفون أمام جذوع الأشجار، يلمسون آثار الدمار ويستعيدون الذكريات، لكنهم لا يجدون سوى صمت الأراضي المدمرة.
يقول حسن وهو ينظر إلى بستانه المقفر: “لقد أخذوا منا أكثر من الزيتون، أخذوا هويتنا وأملنا”، بينما تظل الأرض بين الجرف والخراب، تنتظر من يعيد لها الحياة والزراعة، قبل أن تفقد هذه المنطقة الزاخرة بالزيتون كل ما كانت تمثله للأجيال القادمة.