لكل السوريين

من التراث إلى الهوية.. “المامونية” الحلبية وتاريخ المائدة السورية

في قلب مدينة حلب، حيث تتشابك الأزقة القديمة مع رائحة التاريخ، تتعالى كل صباح رائحة سمن عربي يفترش الهواء، معلناً ولادة طبق طالما التصق بالذاكرة الجمعية للسوريين، خصوصاً في الشمال: المامونية الحلبية. ليست مجرد طبق حلوى عابر، بل طقس اجتماعي وتراثي يحكي قصة مدينة وقوم أحبّوا الحياة رغم كل الظروف، فوضعوا فيها من السكر والحنين ما يكفي لأجيال كاملة.

تختلف الخلفيات حول تاريخها الأول، لكن المتفق عليه في روايات كبار السن أن المامونية ظهرت في أحياء حلب القديمة قبل أكثر من قرن ونصف، وتحوّلت تدريجياً إلى واحدة من أشهر وجبات الإفطار الشعبية، وأصبح اسمها جزءاً من الهوية الغذائية السورية، حتى غدت تُقدّم في المنازل والمطاعم وعلى موائد المناسبات، وخاصة في الأعياد والزيارات الصباحية.

أصل الحكاية.. بين الرواية الشعبية والذاكرة الحلبيّة

يقول العم أبو محمود (78 عاماً)، وهو من سكان حي الجلوم في حلب القديمة، في شهادة خصّ بها «صحيفة السوري»:

“أنا وُلدت ولقيت أمي وجدّتي يعملوا المامونية كل جمعة. كانوا يقولوا إنو أصلها من سيدة اسمها ماماون، كانت تعملها للفقراء من البرغل والسمن والسكر، وبعدين تطوّرت وصارت من السميد مع الفستق. ما في حلبي ما أكل مامونية وهو صغير.”

ورغم عدم وجود وثائق مكتوبة تؤكد قصة ماماون، إلا أنّ هذه الرواية تتردد بين كبار السن، وتُعتبر جزءاً من التراث الشفهي المتداول. ويشير المؤرخ المحلي عبد الرحمن خطيب إلى أن المأكولات السورية غالباً ما تحمل أسماء نساء أو قصصاً اجتماعية مرتبطة بالعمل المنزلي، وهو ما يعزز فرضية ارتباط المامونية بشخص أو حدث انعكس على الذاكرة الشعبية.

طقوس المائدة.. ليست أكلة فقط بل مناسبة اجتماعية

من أهم ما يميز المامونية أنها تُحضر على مهل وبروح جماعية، فغالباً ما يجتمع أفراد العائلة في الصباح حول القدر النحاسي، يتبادلون الأحاديث بينما يتولي الأكبر سناً مهمة التحريك، لأنّ السر يكمن في الحصول على قوام متوازن بين نعومة السميد والتماسك.

السيدة أم علاء (52 عاماً)، ربة منزل من حي الصاخور، تصف طريقتها بإحساس واضح: “المامونية ما بتنطبخ بسرعة، بتحتاج صبر وحب. أول شي منحمص السميد شوي شوي، بعدين منضيف السمن العربي، ولما يفوح ريحته منسكب القطر الساخن ونتركها تكركع. آخر خطوة الفستق الحلبي المبروش.. هون بتصير التحفة!”

وتتابع بحنين: “إذا اجتمعوا الأولاد على الطاولة وصوت الملاعق يعبي البيت.. هون بتصير المامونية أكلة إلها روح.”

في الماضي، كما يؤكد سكان حلب القدامى، كانت الأمهات تحضّرها للأطفال قبل الذهاب إلى المدرسة، باعتبارها تمنح طاقة عالية بفضل مكوناتها الغنية (السميد – السمن – السكر – الفستق)، حتى لُقّبت بـ “فطور الفرح” بين العائلات.

المامونية في التراث السوري.. حضور في الأعراس والزيارات

لم تعد المامونية مقتصرة على المنازل، بل تحوّلت إلى طبق رسمي في المناسبات الاجتماعية. ففي الأعراس والمشاركات الجماعية، تُقدّم كنوع من الترحيب، وفي العزاء تُطبخ أحياناً كصدقة عن روح المتوفى، مما يدل على ارتباطها بعادات التضامن.

يذكر العم عبد القادر (65 عاماً)، وهو صاحب محل حلويات قديم في باب الفرج، أن السياح قبل الحرب كانوا يقصدون محله فقط لتجربة المامونية الحلبية:

“الأجانب كانوا ينبهروا من بساطتها. كانوا يسألوني: كيف شيء مكوناته قليلة وطعمه بهذه الروعة؟ كنت أجاوبهم: السر مو بالمكونات، السر بحلب!”

ويبتسم قائلاً: “كان بعضها يقدّم مع القشطة أو الجبن العكّاوي المالح.. مزاوجة ما بتنعاد!”

الرمزية الثقافية.. ذاكرة تتحدى الحرب

الحرب التي مرّت على سوريا تركت ندوباً كثيرة، إلا أن المأكولات الشعبية بقيت صامدة في وجه النسيان. بقيت رائحة المامونية تنفخ الدفء في صباحات البيوت رغم الدمار والكهرباء المنقطعة.

تروي مريم (23 عاماً)، طالبة جامعية نزحت من حلب إلى دمشق، كيف أصبحت الطبخة رمزاً للبيت المفقود: “كل ما أمّي تعمل مامونية، كأنو رجعنا على حلب. بتحمل طعم بيوتنا اللي تهدمت. صرت أشوف فيها وطن صغير بسكر وسميد.”

هذا البعد العاطفي يرفع المامونية من مرتبة الطعام إلى وثيقة إنسانية تحفظ الذاكرة السورية، تماماً كما تحفظ الأندلسيات والمواويل تراث الموسيقى.

اقتصادياً.. أكلة شعبية قليلة التكلفة

من أسباب انتشار هذه الحلوى قديماً وحديثاً أنها اقتصادية وسهلة التحضير، مقارنة بأنواع الحلوى المعقدة التي تتطلب مكونات كثيرة. يكفي كيلو من السميد والسمن ليكفي عائلة كاملة، بينما يكون الفستق إضافياً حسب القدرة المادية. ولذلك اعتمدت عليها الأسر محدودة الدخل في الأعياد خصوصاً.

ويقول بائع المواد الغذائية أبو حمزة في تصريح لـ”صحيفة السوري”: “رغم ارتفاع أسعار الفستق، الناس ما بطلت تحضّرها. إذا ما في فستق، بيرشو جوز أو حتى بدون مكسرات.. المهم يكون في مامونية على الفطور.”

من البيت إلى المطاعم.. انتشار واسع داخل وخارج سوريا

اليوم، لم تعد المامونية حبيسة البيوت، بل أصبحت عنصراً ثابتاً في قوائم الفطور في مطاعم دمشق وحمص واللاذقية، وحتى في المغترب السوري في تركيا والخليج وأوروبا. وتعمل المطاعم الحديثة على تقديمها بطرق مبتكرة كإضافة الشوكولا أو تقديمها في قوالب صغيرة، دون التخلي عن شكلها التقليدي.

الحلبي محمد صالح الذي افتتح مطعماً في إسطنبول يروي تجربته قائلاً: “أول طبق طلبته الجالية السورية كان المامونية. لما شافها الأتراك استغربوا، وبعد ما ذاقوها صاروا يطلبوها باستمرار. صارت وسيلة تعريف بثقافتنا.”

محاولات توثيق.. خوف من الاندثار

ورغم حضورها الواسع، يحذر باحثون في التراث من خطر اندثار تقاليد الطبخ السورية بسبب تسارع الحياة وانتشار الأكلات السريعة الجاهزة. لذلك تعمل جمعيات محلية على تسجيل وصفات الأكلات الشعبية بهدف حفظها.

تقول الباحثة في التراث الغذائي نور حسن: “نحن لا نحافظ على وصفة طعام فحسب، بل نحمي ذاكرة كاملة. المامونية جزء من هوية المطبخ السوري، وفقدانها يعني فقدان جزء من الحكاية.”

في الختام المامونية ليست مجرد طبخة تُقدّم صباحاً مع الشاي، بل رواية متكاملة عن مدينة عريقة وثقافة تعرف كيف تصنع الفرح من أبسط المكونات. هي طبق يقول إن السوري، مهما اشتدت عليه الظروف، قادر على تحويل السميد والسمن إلى قصة حب وطعم لا يُنسى.

ربما حين يجتمع الناس حول طبق مامونية ساخن، لا يتشاركون الطعام فقط، بل يتشاركون ذاكرة وحسن نية وحب مدينةٍ اسمها حلب.

مدينة لا تزال رغم كل شيء “تطبخ الفرح”.

- Advertisement -

- Advertisement -