لكل السوريين

من المسؤول.. حرمان قاطني المخيّمات في ريف الرقة الجنوبي من مازوت التدفئة

الرقة

خرجت خاتون محمد 40 عاماً، إلى حافة مخيم اليوناني العشوائي بريف الرقة الجنوبي الذي تسكنه مع أطفالها، وهي تحمل فأساً وتبحث بين الأشجار المتناثرة عن أغصان وجذوع صغيرة، كما تجمع قطع البلاستيك وبقايا الأقمشة لتضعها في مدفأة برميلية قديمة داخل خيمتها.

وتقول خاتون لصحيفة “السوري” بصوت منخفض: “أطفالي يرتعشون والصغار يبكون من البرد، لو حصلنا على مازوت لكانت الأمور مختلفة”.

رائحة البلاستيك المحترق تخترق الهواء داخل الخيمة وخارجها، وهي تدرك أنها تعرض أطفالها لخطر السعال والاختناق، لكنها لا تملك خياراً آخر.

وتبرز هذه اللحظات المعاناة اليومية لسكان المخيمات العشوائية في ريف الرقة الجنوبي، حيث حرمانهم من مازوت التدفئة دفعهم للجوء إلى وسائل خطرة وغير فعالة لتدفئة أنفسهم وأطفالهم.

واستقبلت الرقة، منذ تحريرها على يد قوات سوريا الديمقراطية في 20 تشرين الأول عام 2017، آلاف العائلات النازحة من مدن وبلدات المحافظات السورية الأخرى مثل دير الزور، وحمص، وحماة، بالإضافة إلى استقبالها آلاف المهجّرين من مقاطعتي عفرين والشهباء في أواخر كانون الأول 2024.

ويبلغ عدد النازحين ضمن 39 مخيماً عشوائياً منتشرة في أرياف الرقة 9413 فرداً، أما مهجرو عفرين والشهباء فبلغ عددهم 1120 عائلة موزعة على 37 مركز إيواء داخل المقاطعة.

وتتركز المخيمات الأكثر تضرراً في مناطق نائية من ريف الرقة، حيث البنية التحتية متهالكة وخدمات الإغاثة محدودة ومتقطعة.

في هذه المخيمات، الأسر الأكثر فقراً والتي تعتمد على أعمال يومية غير مستقرة تعاني بشدة، حيث يصبح الحصول على مازوت للتدفئة حلماً بعيد المنال، هذا الحرمان لا يقتصر على قلة الراحة فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة الجسدية والنفسية للأطفال وأسرهم.

الانعكاسات على الصحة البدنية للسكان خطيرة، إذ يؤدي حرق البلاستيك والنفايات إلى انتشار غازات سامة تسبب تهيج الجهاز التنفسي للأطفال وكبار السن، فضلاً عن الحوادث الناتجة عن المواقد المؤقتة.

كما تؤدي البرودة الشديدة إلى ضعف المناعة وزيادة احتمالات الإصابة بالإنفلونزا والتهابات الصدر، أما على الصعيد النفسي، تعاني الأمهات من ضغوط كبيرة نتيجة شعورهن بالعجز عن حماية أطفالهن، فيما تتصاعد الصراعات الأسرية بسبب شح الموارد.

الأكثر تضرراً هم الأطفال دون سن الخامسة، وكبار السن، والحوامل، والمرضى المزمنون، إضافة إلى النساء المعيلات اللاتي يواجهن مخاطر الاستغلال أثناء محاولات جمع الوقود.

كما يؤدي اللجوء إلى قطع الأشجار والنباتات المحلية لزيادة الحطب إلى تدهور البيئة وزيادة التعرض للتعرية، فيما تؤدي النفايات المحترقة إلى تلوث الهواء وتفاقم الأوضاع الصحية.

ويوضح محمد رشيد حمام، وهو كومين (مختار) قرية كسرة عفنان بريف الرقة الجنوبي، أن سبب حرمان قاطني المخيمات العشوائية من مادة المازوت يعود إلى تعطيل التوزيع من قبل مديرية المحروقات، رغم عدة مطالبات صدرت عبر كومينات المنطقة ومجالس الشعب.

ويقول عمر محمد، وهو مدير دائرة المحروقات في الرقة، إن قسماً من المخيمات العشوائية المنتشرة في ريف المدينة أرفق مع سجلات القرى والبلدات التي تقع على مقربة من المخيمات وحصلت على مازوت التدفئة، فيما لم تمنح عوائل أخرى هذه المادة.

ويضيف في حديث لصحيفة “السوري”، أن سبب حرمان قاطني بعض المخيمات العشوائية في ريف الرقة الجنوبي من مازوت التدفئة يعود إلى عدم إحصائهم من قبل مكتب الإحصاء في المجلس التنفيذي للرقة.

ويشير إلى أن العمل جار خلال الوقت الحالي لإجراء إحصاء من قبل مكتب التخطيط والإحصاء لتلك العوائل لمنحهم مادة مازوت التدفئة ضمن سجلات ملحقة تصدرها مديرية المحروقات في الرقة.

الحرمان من مازوت التدفئة ليس مجرد مسألة راحة، بل مسألة حياة بالنسبة لمئات العائلات في ريف الرقة الجنوبي، قصص مثل خاتون محمد تعكس معاناة يومية تتطلب استجابة سريعة ومنهجية، تشمل توفير الوقود، وبدائل مستدامة، وبرامج حماية اجتماعية تقلل من المخاطر الصحية والاجتماعية على الأطفال والنساء وكبار السن، لضمان أن الشتاء القارس لا يتحول إلى مأساة إنسانية.

- Advertisement -

- Advertisement -