في شوارع حلب المكتظة بالحركة والحياة اليومية، ينبض حيّز آخر بالحيوية مع كل مساء، حيث يخرج العشرات من الشبان من مختلف الأعمار والتخصصات ليحملوا معهم شغفهم بكرة القدم، بعيداً عن الأندية الرسمية والملاعب الكبرى، هؤلاء لا يرتدون قمصان الفرق المحترفة، ولا يسعون وراء شهرة أو عقود احترافية، لكنهم يلعبون بروح لا تقل عن المحترفين حماسة وتفانياً.
في أحد أحياء حلب الغربية، تحديداً قرب حي الفرقان، يتجمع كل أسبوع ستة شبان في العشرينات من العمر، يتفقون عبر مجموعة على تطبيق “واتساب” لترتيب مباراة أسبوعية على ملعب سداسي مستأجر. يوسف، طالب جامعي في كلية الاقتصاد، هو من ينسّق المجموعة ويحرص على أن يلتقي أصدقاؤه في موعد ثابت، يقول: “من أيام المدرسة ونحن نلعب سوا، وبعد الحرب تفرّقنا شوي، بس رجعنا نلتقي كل أسبوع، ننسى الدراسة والضغوط ونلعب كرة. هي المتنفس الوحيد إلنا”.
زميله أحمد، الذي يعمل في محل لبيع الهواتف المحمولة، يرى أن كرة القدم بالنسبة لهم أكثر من مجرد رياضة. “هي فرصة نلتقي فيها، نضحك، نتنافس، ونفرغ كل تعب الأسبوع، ما عنا هدف نكون لاعبين محترفين، بس اللعب صار جزء من حياتنا، خصوصاً بعد ما صرنا نشتغل أو ندرس وما بقى في وقت فراغ متل قبل”.
ويستأجر هؤلاء الشبان ملعباً سداسياً بمبلغ يُجمع بينهم بالتساوي، يتراوح عادة بين 100 إلى 150ألف ليرة سورية للساعة الواحدة، في مكان قريب، التقينا أبو حازم، مالك أحد هذه الملاعب الخاصة، والذي يروي تجربته مع تزايد الإقبال على هذه الملاعب. “كل يوم في حجوزات، والشباب بيجوا بعد الدوام، بعد الدراسة، أحياناً حتى بعد الساعة 12 بالليل. نحن نوفر الكرات، التيشيرتات، وحتى الحكام أحياناً، بس الأهم إنهم يلاقوا مكان يلعبوا فيه”.
ويضيف أبو حازم: “أحياناً بيجوا طلاب، مرات موظفين، وأحياناً شباب من عائلات نازحة أو مناطق شعبية، كلهم يجمعهم حب الكرة. هاد النوع من الرياضة مهم لأنه بيبعد الشباب عن العادات السلبية، وبيعزز الصداقة بينهم”.
ورغم بساطة هذه الأنشطة، إلا أن لها صدى لدى بعض المحللين الرياضيين الذين يرون في الملاعب الشعبية مساحة مهمة لاكتشاف مواهب جديدة، يقول الكابتن علاء، وهو مدرب سابق لفئات ناشئة في نادي الاتحاد: “كثير من المواهب مرّت من هون، وفيه شباب كان ممكن يكونوا نجوم لو كان في دعم أو رعاية. الملاعب الشعبية صارت حلقة ضرورية ضمن واقع رياضي فيه ضعف بالبنية التحتية وغياب برامج كشف المواهب”.
ويشير، إلى أن اللعب الحر بين الهواة يفتح المجال أمام الكثير من الشبان لتطوير أنفسهم بدنياً وذهنياً، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون الانضمام لأندية محترفة بسبب الظروف المعيشية أو البعد الجغرافي. “الكرة الشعبية جزء من الثقافة الرياضية، ومن الضروري أن تكون هناك جهة تتابع هذا النوع من النشاط وتقدم له نوعاً من التنظيم والدعم”.
ويمكن القول إن كرة القدم في الأحياء الشعبية بمدينة حلب لم تفقد بريقها، بل ربما استعادت جزءاً من روحها الحقيقية: الشغف، الصداقة، وفي وقت لا تزال فيه الكثير من الأندية تعاني من نقص الدعم والانقسامات الإدارية، يثبت هؤلاء الهواة أن الكرة لا تحتاج إلى جمهور كبير أو أضواء لتبقى حية، تحتاج فقط إلى ملعب، ورفاق، وبعض من الحلم.