دمشق/ مرجانة إسماعيل
في ظل موجة حر غير مسبوقة تجتاح سوريا هذه الأيام، تتفاقم معاناة المواطنين مع انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، مما يزيد من صعوبة الحياة اليومية في ظل درجات حرارة تتجاوز الأربعين مئوية. وسط هذه الأجواء القاسية، تعلن وزارة الطاقة عن حملة إصلاح واسعة لمحطات التوليد، بينما ينتظر المواطنون بفارغ الصبر عودة الكهرباء إلى منازلهم.
تقول أم محمد، وهي ربة منزل من حي المزة في دمشق: “انقطع التيار الكهربائي عن منزلنا لمدة 18 ساعة متواصلة، في وقت تصل فيه الحرارة إلى 42 درجة. أطفالي لا يستطيعون النوم من شدة الحر، والطعام في الثلاجة بدأ يفسد”. تضيف بحسرة: “حتى المولدات الكهربائية في الحي توقفت عن العمل بسبب الضغط الشديد عليها”.
في مستشفى المواساة التعليمي، تحول انقطاع الكهرباء إلى أزمة حقيقية. الدكتور وسام، طبيب تخدير، يشرح: “اضطررنا لنقل بعض العمليات الجراحية العاجلة إلى مستشفيات أخرى بسبب انقطاع التيار. لدينا مولدات احتياطية، لكنها لا تكفي لتشغيل جميع الأجهزة الطبية الحيوية”.
أما في الأحياء الشعبية، فقد تحولت ليالي الصيف إلى كابوس حقيقي. أبو علي، وهو عامل في أحد المصانع الصغيرة، يقول: “أعمل 12 ساعة يومياً في مصنع غير مكيف، ثم أعود إلى منزل بلا كهرباء ولا ماء بارد. كيف يتوقع منا أن نتحمل هذه الظروف؟”
من جهتها، أعلنت وزارة الطاقة عن بدء حملة إصلاح شاملة لمحطات التوليد الكهربائية. أحد المهندسين أوضح أن “الأعطال الفنية المفاجئة وموجة الحر القياسية تسببت في زيادة الضغط على شبكة الكهرباء، مما أدى إلى انهيار جزئي في النظام”. وأضاف: “فرق الصيانة تعمل على مدار الساعة لإصلاح الأعطال وإعادة تشغيل المحطات بشكل تدريجي”.
في هذا السياق، بدأت كميات من الغاز الأذربيجاني تصل إلى محطات التوليد السورية عبر الخط الجديد الذي يربط سوريا بتركيا وأذربيجان. المصادر الرسمية تشير إلى وصول حوالي 1.4 مليون متر مكعب يومياً، مع توقعات بزيادة هذه الكميات في الأيام القادمة.
أحد العاملين في محطة توليد الزارة، يشرح: “الغاز الأذربيجاني سيساعد في تحسين أداء المحطات، لكننا ما زلنا بحاجة إلى وقت لإجراء الصيانة اللازمة وتوزيع الأحمال بشكل متوازن”. ويضيف: “الظروف المناخية الحالية مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة تشكل تحدياً إضافياً لأداء المعدات”.
في الأحياء التجارية بدمشق، يعاني أصحاب المحلات من خسائر فادحة بسبب انقطاع التيار. محمد، صاحب محل للأجهزة الكهربائية، يقول: “اضطررت لإغلاق المحل مبكراً لأن الأجهزة الإلكترونية معرضة للتلف بسبب تقلبات التيار الكهربائي”. ويضيف: “بعض الزبائن يعيدون أجهزة تعطلت بسبب هذه المشاكل”.
أما في المناطق الريفية، فالمشكلة تتضاعف بسبب ضعف الشبكة الكهربائية أساساً. أم ياسر، من ريف دمشق، تروي كيف تضطر لشراء الثلج يومياً لحفظ الطعام: “بدون كهرباء، لا يوجد حل آخر. ننفق نصف دخل الأسرة تقريباً على الثلج والماء البارد”.
في ظل هذه الأوضاع، يلجأ بعض السكان إلى حلول فردية. المهندس معن، وهو خبير في الطاقة الشمسية، يلاحظ زيادة الطلب على أنظمة الطاقة البديلة: “في الأسبوع الماضي فقط، قمنا بتركيب 15 نظاماً شمسياً لمنازل في دمشق وريفها. الناس لم يعودوا يتحملون انقطاع الكهرباء بهذا الشكل”.
من جهة أخرى، يحذر الخبراء من مخاطر الإفراط في استخدام المولدات الكهربائية المنزلية. الدكتور نزار، اختصاصي أمراض صدرية، يقول: “نشهد زيادة في حالات التسمم بأول أكسيد الكربون بسبب الاستخدام الخاطئ للمولدات في أماكن مغلقة. كما أن الضجيج المستمر لهذه المولدات يسبب مشاكل سمعية واضطرابات في النوم”.
في الأحياء الراقية، حيث تنتشر المولدات التجارية الكبيرة، تتحول مشكلة الكهرباء إلى أزمة طبقية واضحة. سامر، وهو موظف في شركة خاصة، يقول: “نحن ندفع اشتراكات باهظة للمولدات، بينما الأحياء الفقيرة تظل في الظلام لساعات أطول. الكهرباء أصبحت سلعة للطبقة الميسورة فقط”.
أمام هذا الواقع المرير، يبقى السؤال: متى ستعود الكهرباء إلى طبيعتها؟ المسؤولون في وزارة الطاقة يؤكدون أن “الأمور تسير في الاتجاه الصحيح”، لكنهم يحذرون من أن “التحسن سيحتاج إلى بعض الوقت”. في المقابل، يحذر خبراء الطاقة من أن حل الأزمة بشكل جذري يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية للطاقة، وإصلاح شامل لشبكة التوزيع القديمة، وهو ما يتطلب سنوات وسنوات.
في غضون ذلك، يواصل السوريون تحملهم لهذه المعاناة اليومية، بينما تتصاعد أصواتهم مطالبة بحلول سريعة وعادلة لأزمة أصبحت تهدد صحتهم وأمنهم وسلامتهم. كما تقول أم محمد: “نحن لسنا ضد الصيانة والإصلاح، لكننا نريد جدولاً زمنياً واضحاً وشفافية في الإعلان عن ساعات التقنين. الأهم من ذلك كله، نريد أن نعرف متى ستنتهي هذه المعاناة التي دامت طويلاً”.