حاوره/ مجد محمد
أكد منير الجراح على إن تركيا عاثت فساداً في بلادنا، وتريد تقطيع أوصالنا، وتريد ضرب السوريين بعضهم ببعض من خلال أساليبها الماكرة سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، فهي لا تدخر جهداً لتنفيذ خرابها في سوريا.
لا ثبات في السياسة، والغاية تبرر الوسيلة، أقل ما يمكن وصف سياسة تركيا في الملف السوري، سياسة شهدت العديد من الانعطافات، وبدت الانعطافات في الموقف التركي حادة للمتابعين خصوصاً بالنسبة للتصريحات السابقة لأردوغان كانت تؤكد رفضه القاطع إعادة العلاقات مع دمشق، بل تجاوزت ذلك إلى تحذير العالم من خطورة الرئيس بشار الأسد ونظامه، والتشديد على دعم الشعب السوري ليتخلص من الدكتاتور كما وصفه أردوغان، واليوم رغم كل هذا التناقض والكره السياسي يحاول أردوغان بشكل ميؤوس ترميم العلاقات.
تجاوزت تركيا كل أشكال الاستدارة لتصل لتقديم نفسيها إلى داعم ووسيط للحوار بين الحكومة السورية المرتزقة السوريين، حيث أكدت تركيا خلال لقاء مع قادة ما تسميها المعارضة السورية دعمها جهود الحوار الهادف والواقعي الذي من شأنه ايجاد حل سياسي شامل لسوريا على أساس قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤.
وبحث وزير خارجية النظام التركي مع قادة المرتزقة المساعي المبذولة لإعادة العلاقات بين أنقرة ودمشق إلى ما كانت عليه قبل عام ٢٠١١، الأسبوع الماضي قال وزير الخارجية التركي أن تركيا تشجع اللقاء بين الحكومة وأتباعها من المرتزقة السوريين، ولكنها لا تستطيع إجبار المرتزقة عليه ونريد من الحكومة الجلوس مع لطرح المشكلات للوصول إلى نقاط للحل، ولم تكن الوساطة التركية سوى قناع لتغطية طموحات أنقرة في التوسع حيث استغلت الأزمة لترسيخ جهودها العسكري والسياسي واضعة مصالحها فوق كل اعتبار إنساني، تركيا التي ترفع شعار الوساطة تمارس في الواقع سياسة تنتهك سيادة سوريا وتغير ملامحها الديموغرافية خدمة لأغراضها الخاصة ضاربة عرض الحائط مصير الملايين من السوريين، في الشمال السوري حيث رفعت تركيا راية الأمن القومي تمارس تغييرات ديموغرافية بشكل مقلق، إذ تهجر بعض الفئات وتستبدل بأخرى بما يخدم رؤيتها وتمديد نفوذها الطويل الأمد في المنطقة.
وتحت ذريعة محاربة الإرهاب تستمر أنقرة بفرض سيطرتها على
أراضي سورية غنية بالموارد مما يعكس مطامعها في تحويل هذه المناطق إلى حزام أمني واقتصادي يخدم مصالحها فقط، ولا يقف الأمر عند ذلك بل تستغل تركيا دورها في الملف السوري كورقة في الصفقات الدولية، حيث تلوح بملف اللاجئين للضغط على الدول الأوروبية وتستخدم الأراضي السورية كورقة تفاوض تضمن لها مكاسب على الساحات الإقليمية، هذه الوساطة المزعومة تبرز تركيا كطرف يبرز شروطه ويستغل مأساة السوريين لتوسيع نفوذها الإقليمي، في النهاية الوساطة التركية ليست سوى حيلة لتحقيق مصالح أنقرة وتعميق الجرح السوري وتزيد من تعقيد الأزمة.
وللحديث عن هذا الموضوع وفي هذا الصدد عقدت صحيفتنا حواراً مطولاً مع الأستاذ منير الجراح العضو في الحزب الديمقراطي التقدمي، ودار الحوار التالي:
*أستاذ منير مرحباً بك بداية، إلى أي درجة تتفق معي بأنه أرد
وغان منذ اندلاع اليوم الأول للأزمة السورية، يفاجئنا بتصريحات، وآخرها موضوع الوساطة المزيفة، ما هو تعقيبك حول هذا؟
أهلا وسهلا بك، حقيقة لست متفاجئاً لأن أردوغان كان على علاقة جيدة جداً مع النظام السوري، ولكن بعد اندلاع الاحتجاجات في البداية ارسل وزير خارجيته لدمشق للوقوف معها بشرط إشراك الإخوان المسلمين في الحكم ومنحهم مقاعد وزارية وعدم تغيير الدستور لكي لا يعترف بالقومية الكردية، وهاذين الشرطين لم يوافق عليهما النظام السوري حينذاك، وبعدها راهنت تركيا على تسليح ودعم ما يعرف بالمعارضة السورية والتي من خلالها دعمت الإخوان المسلمين، وغيرها من دعم للجهاديين الدوليين وتقديم التسهيلات لهم عبر استقبالهم في مطاراتها… الجيش الحر والنصرة وداعش، وهؤلاء جميعاً استخدمتهم ضد مشروع الإدارة الذاتية وحينما فشلوا جميعاً قامت بنفسها بتدخلات عسكرية عبر ثلاث مراحل واحتلت أجزاء من سوريا، ومن ثم بعدها استهداف شمال شرق سوريا وتدمير للبنى التحتية، ورغم هذا كله لا تزال الإدارة الذاتية قائمة وصامدة وهذا ما تعتبره تركيا نقطة ضعفها في الملف السوري، فهي مستعدة لتغيير مواقفها ومبادئها السياسية الف مرة للقضاء على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، واخرها الوساطة المزيفة التي هي فقط لتحقيق مطامع تركيا الاحتلالية.
*اليوم إلى أي درجة نستطيع أن نؤكد بأنه الإدارة الذاتية هي نقطة ضعف أردوغان في الملف السوري، وإلى أي درجة هي دافعة من أجل دخول تركيا لهذه الوساطة؟
حالياً يجب علينا أن نعلم إن مشروع الإدارة ال
ذاتية هو مشروع توافقي وتشاركي بين المكونات، ويضمن إدارة ودفاع مشترك وحقوق جميع المكونات وخصوصاً المرأة والأقليات، وقائم على البناء لا الهدم والتدمير، ومشروع أردوغان هو نقيض ذلك تماماً
، فهو مشروعه مشروع أمراء الحرب وتجارة الأسلحة والمخدرات وسحق المرأة وفوضى عارمة ونهب وتغيير ديموغرافي وظلامي، فالحقد نابع من هذا الخلاف وهذا المنطلق، وهذا التقارب الذي يريده مع النظام السوري يرمي بالدرجة الأولى إلى هدم مشروع الإدارة الذاتية وإعادة العلاقات لما كانت عليه قبل عام ٢٠١١.
*يبدو أنه حتى هذه اللحظة فشل أردوغان، فسوريا تنظر بعين الريبة والشك لكل هذه التصريحات، ففكرة التطبيع وصلت لمحطة مغلقة، وسط هذا الإقليم المشتعل هل نستطيع القول إنه يمكن أن نطوي هذه الفكرة؟
أردوغان يحاول محاولات حثيثة، فهو حتى تخلى عن هيبته وعن كرامته فهو يستجدي الآن النظام في سوريا، فهو تارة يدلي تصريحات وتارة يقوم بإدخال روسيا كوسيط من أجل إعادة علاقته مع سوريا، والنظام السوري رسمياً يقول إن تركيا تحتل أجزاء من سوريا وأن قبل الحديث عن أي تطبيع أو إعادة العلاقات يجب أن تنهي تركيا احتلالها وتكف عن دعم الإرهاب في المناطق التي احتلتها، ولأخذ العلم فأن المناطق التي احتلتها تركيا في سو
ريا ربطتها تركيا بوالي واحد ضمن منطقة إدارية واحدة وهناك مشروع تتريك يستغرق زمن لتعمل تركيا بربط هذه المناطق بتركيا نفسها مثلما عملت بلواء إسكندريون، إلى جانب تمكين مجموعات معزولة أقلية من المكون التركماني الحكم بحزب الإسلام التركستاني.
*إذا كان السلام هو أحد أهم أهداف أنقرة في سوريا، لماذا تستمر بقصف شمال وشرق سوريا ودعم جهات إرهابية للحرب فيها واستهداف البنى التحتية؟
تركيا لا تريد خيراً في سوريا، ليس فقط في مناطق الإدارة الذاتية وكذلك شمال غرب سوريا فهي تعيث فساداً فيه، فما يحدث في المناطق المحتلة عبارة عن إرهاب وحياة معدومة قائمة على السلب والنهب والتدمير وحرب أهلية، فتركيا دولة ماكرة تقول عكس ما تفعل فلا خير للشعب السوري منها فهي عاثت فساداً في بلادنا وتريد تقطيع أوصالنا وتريد ضرب السوريين بعضهم ببعض من خلال أساليبها الماكرة سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً فهي لا تدخر جهداً لتنفيذ خرابها في سوريا.
*ختاماً، هل يمكن للشعب السوري في جزء ما أن يثق بهذا الوساطة المزعومة، وما هي البدائل المتاحة للشعب السوري؟
بكل تأكيد الجواب لا، لا يمكن الوثوق بتركيا فتركيا لم يصدر منها خيراً أو موقفاً مناصراً للشعب السوري، فلا يصدر منها غير الخذلان والوعود والكذب، البديل هم الأشخاص الذين تتذرع تركيا برعاية مصالحهم وما يسمون بالمعارضة السورية أن يتخلوا عن مصالحهم الشخصية، فهم مطالبين الآن بوقفة تاريخية ولا أظن أنهم سيفعلونها فهم مؤدلجين على الخنوع والرضوخ للاحتلال، فيجب عليهم أن يقفوا وقفة حق واحدة ويسحبوا الذريعة من يد تركيا، وخيارات أخرى مأساوية النتائج فجميع ما تقوم به تركيا لا يصب في مصلحة الشعب السوري.