لكل السوريين

بيروت تفتح باب التفاوض مع إسرائيل.. هل تقود الدبلوماسية إلى إنهاء الاحتلال؟

تدفع الرئاسة اللبنانية باتجاه تثبيت المسار الدبلوماسي باعتباره الطريق الأقل كلفة لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بين بيروت وتل أبيب وسط ملفات شديدة الحساسية، تتقدمها قضية الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وترتيبات الحدود، وملف الأسرى، إضافة إلى مستقبل سلاح حزب الله.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات مع إسرائيل تحقق تقدماً، معتبراً أن التفاوض، رغم تعقيداته، يبقى أفضل للبنان من العودة إلى الحرب، في موقف يعكس توجهاً رسمياً نحو استخدام القنوات السياسية والدبلوماسية لاستعادة الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات.

وتستند المفاوضات الحالية إلى «صيغة الإطار» التي أُقرت في يونيو برعاية أميركية، والتي شكلت أساساً للانتقال من مرحلة التهدئة العسكرية إلى بحث ترتيبات سياسية وأمنية أكثر شمولاً.

الانسحاب في صدارة المطالب اللبنانية

تضع بيروت الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية في مقدمة أهدافها التفاوضية، إلى جانب تثبيت انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة على الحدود.

ويؤكد عون أن لبنان لا يمكن أن يقبل ببقاء القوات الإسرائيلية على أراضيه، وأن أي تسوية يجب أن تقود إلى استعادة كامل الأراضي اللبنانية وعودة الأسرى، وصولاً إلى إعادة إعمار المناطق التي تضررت خلال الحرب.

وتحاول الرئاسة اللبنانية تقديم التفاوض بوصفه أداة لاستعادة الحقوق، وليس تنازلاً عنها، انطلاقاً من أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي إذا بقي الاحتلال قائماً أو ظلت مناطق لبنانية عرضة للتوتر العسكري.

لكن الانتقال من وقف القتال إلى اتفاق سياسي وأمني دائم يبدو أكثر تعقيداً، إذ تدخل في المفاوضات حسابات تتجاوز مسألة الحدود لتصل إلى مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب والمنطقة المحيطة به.

إسرائيل تربط الانسحاب بالضمانات الأمنية

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي انسحاب من زاوية مختلفة، إذ تربطه بقدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته ومنع عودة حزب الله إلى النشاط العسكري في المناطق التي قد تنسحب منها القوات الإسرائيلية.

وهنا تظهر إحدى أعقد نقاط الخلاف: فالمسألة لم تعد مرتبطة بمبدأ الانسحاب فقط، وإنما بما سيحدث بعده.

لبنان يريد انسحاباً ينهي الوجود العسكري الإسرائيلي، بينما تطالب إسرائيل بترتيبات وضمانات تمنع تحول المناطق التي ستنسحب منها إلى مصدر تهديد جديد.

ومن المتوقع أن تكون آليات التحقق والمراقبة وتسلسل الانسحاب من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن أي فراغ أمني يمكن أن يتحول إلى نقطة خلاف جديدة بين الطرفين.

سلاح حزب الله.. العقدة الأكثر تعقيداً

ولا يمكن فصل المسار التفاوضي عن الملف الأكثر حساسية في الداخل اللبناني، والمتمثل بمستقبل سلاح حزب الله.

ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تعزيز احتكار المؤسسات الرسمية للقرارين الأمني والعسكري، يرفض حزب الله الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ما يضع الحكومة أمام معادلة شديدة التعقيد.

فبيروت تحتاج إلى التفاوض لضمان الانسحاب ووقف الاعتداءات، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بمعالجة ملف السلاح وترسيخ دور الدولة في إدارة القرار العسكري.

وبذلك، فإن نجاح أي اتفاق مع إسرائيل لن يتوقف على التفاهم بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية فقط، وإنما سيكون مرتبطاً أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على بناء تفاهم داخلي حول شكل المرحلة المقبلة ودور الجيش ومؤسسات الدولة في الجنوب.

مراقبة دولية لتقليص فجوة الثقة

وفي محاولة لمعالجة أزمة الثقة، شهدت جولات التفاوض الأخيرة، ولا سيما اللقاءات التي استضافتها روما، بحثاً في آليات مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية، بما في ذلك إمكانية مشاركة دول في مراقبة تطبيق أي تفاهم يتعلق بالوضع العسكري.

وقد تمثل مثل هذه الآلية عاملاً مساعداً في تقليص الفجوة بين الطرفين، خصوصاً في ظل انعدام الثقة المتبادل، لكنها لن تكون كافية وحدها لحل الخلافات السياسية.

فإسرائيل تبحث عن ضمانات تمنع أي عودة للنشاط العسكري لحزب الله، بينما يركز لبنان على إنهاء الاحتلال ووقف العمليات العسكرية واستعادة أراضيه.

ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى اتفاق متدرج يربط بين خطوات متزامنة، بحيث يقابل الانسحاب الإسرائيلي إجراءات لبنانية واضحة، مع وجود جهة رقابية قادرة على التحقق من تنفيذ الالتزامات.

الحرب تفرض خياراً اقتصادياً قبل أن يكون سياسياً

ولا يأتي الدفع اللبناني نحو التفاوض في فراغ، إذ خلفت الحرب الأخيرة أعباء بشرية واقتصادية كبيرة، مع أعداد ضخمة من النازحين وأضرار واسعة في مناطق الجنوب.

وتحتاج بيروت إلى فترة طويلة من الهدوء لإعادة السكان إلى مناطقهم، وإطلاق عمليات إعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة.

ومن هذه الزاوية، فإن تفضيل التفاوض على الحرب لا يحمل بعداً سياسياً فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرة لبنان المحدودة على تحمل جولة جديدة من المواجهة.

وتحاول السلطات اللبنانية، عبر هذا المسار، الانتقال من إدارة الأزمة عسكرياً إلى احتوائها سياسياً، بما يسمح للدولة بإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والأمنية.

اختبار حقيقي لمشروع الدولة

يتجاوز التفاوض الحالي قضية الانسحاب الإسرائيلي ليطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمستقبل القرار السيادي في لبنان.

ففي حال نجحت بيروت في تثبيت انسحاب إسرائيلي كامل، وتعزيز انتشار الجيش، ووضع آلية فعالة لمراقبة الحدود، فقد يشكل ذلك خطوة باتجاه إعادة الملف الأمني في الجنوب إلى المؤسسات الرسمية.

لكن تحقيق هذا السيناريو يتطلب معالجة متوازية لملف سلاح حزب الله، وهو ملف شديد الحساسية سياسياً وشعبياً، وقد يشكل أحد أكبر الاختبارات أمام الحكومة اللبنانية في المرحلة المقبلة.

وبالتالي، فإن نجاح الدبلوماسية اللبنانية لن يقاس فقط بقدرتها على انتزاع تنازلات من إسرائيل، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل أي اتفاق خارجي إلى تفاهم داخلي قابل للتطبيق.

بين فرصة التفاوض ومخاطر الانتكاس

ورغم الحديث عن تقدم في المفاوضات، فإن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال طويلاً.

فاستمرار الاعتداءات، والخلافات حول حدود الانسحاب، وموقف حزب الله، وطبيعة الضمانات الأمنية، كلها عوامل يمكن أن تعرقل المسار أو تعيده إلى مربع التصعيد.

كما أن أي حادث أمني كبير قد يشكل اختباراً جدياً لقدرة الطرفين على الحفاظ على قنوات الحوار ومنع انهيار التفاهمات القائمة.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للدبلوماسية اللبنانية، ليس فقط لإنتاج اتفاق سياسي، وإنما لتحويله إلى ترتيبات عملية تشمل الانسحاب، وانتشار الجيش، والمراقبة، وملف الأسرى، وإعادة الإعمار.

وفي المحصلة، تراهن بيروت على أن يكون التفاوض طريقاً لإنهاء الاحتلال وتثبيت سيادة الدولة، بدلاً من العودة إلى حرب جديدة لا يملك لبنان وحده قرار توقيتها أو نتائجها.

لكن نجاح هذا الرهان سيبقى مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: استعداد إسرائيل للانسحاب، وقدرة الدولة اللبنانية على فرض ترتيبات أمنية مستقرة، وإمكانية الوصول إلى تفاهم داخلي حول سلاح حزب الله والقرار العسكري.

وبينما تبدو الدبلوماسية في الظروف الحالية الخيار الأقل كلفة، فإن تحويلها إلى تسوية دائمة يتطلب أكثر من إعلان التقدم في المفاوضات؛ إذ يحتاج إلى ضمانات دولية، والتزامات متبادلة، وتوافق لبناني قادر على حماية الاتفاق من الانهيار عند أول أزمة.

فالمطلوب بالنسبة إلى لبنان ليس هدنة جديدة، وإنما صيغة تنهي الاحتلال، تمنع تجدد الحرب، وتعيد الجنوب إلى سلطة الدولة ومؤسساتها.

- Advertisement -

- Advertisement -