لا تبدو عودة الرصيف رقم «4» في مرفأ طرطوس إلى الإدارة السورية مجرد عملية نقل إداري لمنشأة بحرية، بل تحمل أبعاداً اقتصادية تتصل مباشرة بحركة التجارة الخارجية وسلاسل الإمداد وقدرة سوريا على إدارة أحد أهم منافذها البحرية.
وبموجب مذكرة تفاهم توصلت إليها دمشق وموسكو، تستعيد الحكومة السورية إدارة عدد من المنشآت ذات الطابع المدني التي كانت تديرها روسيا، بينها الرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس، على أن تستكمل إجراءات التحويل خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر.
وتأتي الخطوة في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة تنظيم بنيتها التجارية واللوجستية، وتحسين قدرة موانئها على استقبال السفن ومناولة البضائع، بعد سنوات من تراجع النشاط الاقتصادي وتضرر البنية التحتية وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد.
طاقة إضافية لسلسلة التجارة
اقتصادياً، تكمن أهمية الرصيف الرابع في قدرته على إضافة مساحة تشغيلية إلى المرفأ، بما يسمح بتوزيع حركة السفن والبضائع على عدد أكبر من الأرصفة، وبالتالي تخفيف الضغط عن المرافق الأخرى.
وتشير بيانات منشورة عن مرفأ طرطوس إلى أن المرفأ يمتلك بنية واسعة تشمل أرصفة تجارية ومستودعات وساحات تخزين وشبكة ربط تخدم عمليات نقل البضائع، فيما تبلغ طاقته المتاحة تاريخياً ملايين الأطنان سنوياً.
لكن زيادة الطاقة النظرية للمرفأ لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في حجم التجارة الفعلية.
فالاستفادة الاقتصادية من الرصيف ستتوقف على توافر معدات المناولة الحديثة، وسرعة التخليص الجمركي، وكفاءة الإدارة، وقدرة المرفأ على جذب خطوط ملاحية وسفن جديدة، إضافة إلى وضع الطرق وشبكات النقل التي تربط طرطوس بالداخل السوري.
من الرصيف إلى أسعار السلع
السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن والتاجر هو: هل يمكن أن يؤدي تشغيل الرصيف إلى خفض أسعار السلع؟
الإجابة ليست مباشرة.
فكلفة السلعة المستوردة تتشكل من سلسلة طويلة تبدأ من بلد المنشأ والشحن البحري، مروراً بأجور الميناء والمناولة والتخليص الجمركي، ثم النقل البري والتخزين، وصولاً إلى تكاليف التمويل وسعر الصرف وهوامش التجار.
وبالتالي، فإن تحسين أداء الرصيف يمكن أن يخفض جزءاً من هذه التكاليف، لكنه لا يكفي وحده لإحداث انخفاض ملموس في أسعار الأسواق.
ويصبح الأثر أكثر وضوحاً إذا أدى تشغيل الرصيف إلى تقليص فترة انتظار السفن، وتسريع عمليات التفريغ، وخفض رسوم التأخير، وتحسين حركة البضائع من الميناء إلى الأسواق الداخلية.
أما إذا بقيت الاختناقات موجودة في الجمارك أو النقل البري أو التخزين أو التمويل، فقد يضيع جزء كبير من الوفر الذي يمكن تحقيقه داخل المرفأ.
المنافسة بين الموانئ.. فرصة أمام طرطوس
لا تعمل الموانئ بمعزل عن بعضها. فالتاجر والمستورد يبحثان بصورة أساسية عن المرفأ الذي يوفر أقل تكلفة وأسرع خدمة وأكثر قدرة على ضمان انسيابية البضائع.
ومن هنا، فإن تطوير الرصيف الرابع يمكن أن يمنح مرفأ طرطوس فرصة لتعزيز موقعه في حركة التجارة الإقليمية، خصوصاً إذا ترافق تشغيله مع تحديث المعدات وتحسين الخدمات وتقليص الإجراءات الإدارية.
ويمتلك المرفأ، بحسب بيانات اتحاد الموانئ البحرية العربية، مقومات تشمل مساحات تخزين ومستودعات وشبكة ربط وخدمات مرتبطة بالنشاط التجاري، ما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير دوره اللوجستي.
لكن المنافسة الإقليمية لن تُحسم بحجم الرصيف وحده؛ إذ تحتاج إلى خدمات ملاحية منتظمة، وبنية نقل برية فعالة، وإجراءات جمركية سريعة، واستقرار في البيئة التجارية.
هل يتحول الرصيف إلى مورد للدولة؟
من الجانب المالي، يمكن أن يشكل الرصيف مصدراً إضافياً للإيرادات العامة من خلال رسوم استقبال السفن والمناولة والتخزين والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
لكن حجم العائد الذي يمكن أن تحققه الخزينة لن يتحدد بمساحة الرصيف أو عدد السفن التي يستطيع استقبالها فقط، بل بمعدلات الاستخدام الفعلية وكفاءة التشغيل.
فالمرفق البحري لا يتحول إلى أصل اقتصادي منتج بمجرد انتقال إدارته من جهة إلى أخرى؛ وإنما عندما ترتفع نسبة تشغيله، وتتوسع حركة البضائع عبره، وتصبح إيراداته أكبر من تكاليف تشغيله وصيانته وتطويره.
وهنا تبرز أهمية النموذج الإداري الذي ستعتمده الحكومة السورية خلال المرحلة المقبلة.
الإدارة.. الاختبار الحقيقي
قد تكون إعادة إدارة الرصيف إلى الدولة خطوة ذات دلالة سيادية واقتصادية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد عملية التسليم.
فإذا تمكنت الإدارة الجديدة من تقليص زمن انتظار السفن، وتسريع المناولة والتخليص، وتحديث المعدات، وربط المرفأ بوسائل نقل أكثر كفاءة، فإن الرصيف يمكن أن يتحول إلى جزء فاعل في إعادة تنشيط التجارة الخارجية.
أما إذا بقيت الإجراءات البيروقراطية ونقص التجهيزات وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، فإن امتلاك الرصيف لن يؤدي وحده إلى تغيير كبير في أداء المرفأ.
وتزداد أهمية هذا العامل مع توجه سوريا إلى إعادة بناء قطاعها التجاري، إذ إن أي تأخير في الموانئ ينعكس في النهاية على المستورد والتاجر والمستهلك.
روسيا.. من الإدارة إلى الشراكة؟
وتحمل عودة الرصيف إلى الإدارة السورية أيضاً دلالة على إعادة ترتيب طبيعة الدور الروسي في الساحل السوري.
فمذكرة التفاهم الأخيرة لا تعني بالضرورة انتهاء التعاون الاقتصادي بين دمشق وموسكو، بل تعيد رسم شكل هذا التعاون، خصوصاً مع استمرار الحديث عن مشاريع لوجستية وتجارية مرتبطة بمرفأ طرطوس.
وكانت مشاريع مرتبطة بمركز لوجستي روسي قد ركزت في وقت سابق على استخدام الرصيف الرابع لمناولة شحنات من الحبوب والزيوت والأخشاب والحديد ومواد أخرى، ما يعكس أهمية الرصيف في حركة التجارة بين سوريا وروسيا.
وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي المقبل لن يكون فقط من يدير الرصيف، وإنما كيف ستُدار الاستثمارات والخدمات والشراكات المرتبطة به؟
طرطوس أمام فرصة اقتصادية جديدة
تأتي عودة الرصيف الرابع في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى تقليل تكاليف التجارة وتحسين قدرتها على الاستيراد والتصدير وإعادة بناء بنيتها اللوجستية.
وقد يمنح الرصيف المرفأ قدرة إضافية على استقبال السفن ومناولة البضائع، ويفتح المجال أمام زيادة النشاط التجاري وتطوير الخدمات المرتبطة بالنقل البحري.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب اقتصادية ملموسة يحتاج إلى خطة متكاملة لا تتوقف عند حدود المرفأ، بل تشمل الجمارك والنقل والطرق والتخزين والتمويل والخدمات المصرفية.
وفي النهاية، فإن نجاح الخطوة لن يُقاس فقط بعودة الرصيف إلى الإدارة السورية، وإنما بما سيحدث بعد ذلك: كم سفينة ستستقبل طرطوس؟ كم ستتراجع مدة الانتظار؟ كم ستنخفض تكلفة المناولة؟ وكم سينعكس ذلك فعلياً على حركة التجارة والأسعار؟
تلك الأرقام وحدها ستكون الاختبار الحقيقي لنجاح استعادة الرصيف الرابع، ولقدرة سوريا على تحويل منشآتها البحرية من مرافق تشغيلية إلى محركات للنمو الاقتصادي.