لكل السوريين

صناعة الفخار والخزف في سوريا.. تراث حضاري متجدد في ظل التحديات المعاصرة

تقرير/ بسام الحمد

تُعدُّ صناعة الفخار والخزف في سوريا من أعرق الحِرَف التقليدية التي ارتبطت بالحضارة السورية منذ آلاف السنين، وقد كانت ولا تزال انعكاسًا حقيقيًا للهوية الثقافية، والروح الإبداعية التي يتمتع بها الحرفي السوري. تعود أصول هذه الصناعة إلى ما قبل الميلاد، حيث دلّت المكتشفات الأثرية على أن المجتمعات الزراعية الأولى استخدمت الطين لصناعة أوانيها اليومية، لتتحول هذه المنتجات البسيطة لاحقًا إلى قطع فنية ذات طابع جمالي وروحي خاص. وعلى الرغم من التغيرات الجذرية التي شهدتها سوريا عبر العصور، فإن صناعة الفخار والخزف بقيت شاهدة على تاريخ البلاد، ومتأقلمة مع متطلبات العصر.

النشأة والتطور عبر العصور التاريخية

شهدت صناعة الفخار تطورًا ملحوظًا منذ العصور السحيقة، بدءًا من العصر الحجري الحديث حيث تم استخدام الطين المحلي لصناعة أدوات الطهي والتخزين. ومع نشوء حضارات بلاد الرافدين، التي امتدت إلى أجزاء من سوريا الحالية، بدأت تقنيات الحرق بالتحسن، وظهرت الأفران الأولى التي أتاحت للحرفيين إنتاج قطع أكثر دقة ومتانة. وفي الألفية الثالثة قبل الميلاد، ازدهرت صناعة الفخار في مدينة ماري وتدمر، حيث تميزت الأواني الفخارية بالنقوش الهندسية والزخارف الحيوانية والنباتية، ما يعكس الحس الفني للمجتمعات آنذاك.

خلال العصور اليونانية والرومانية، تأثرت صناعة الفخار بالتبادل الثقافي مع حوض البحر الأبيض المتوسط، فظهرت أشكال جديدة وألوان مختلفة، كما تطورت أساليب الزخرفة. أما في العهد الإسلامي، وخاصة في العصرين الأموي والعباسي، فقد بلغت هذه الصناعة ذروتها، وتم إدخال تقنيات التزجيج والطلاء المعدني، ما أضفى بُعدًا جماليًا إضافيًا على القطع الفخارية، خصوصًا في المدن الكبرى مثل دمشق، وحلب، والرقة.

العصر الذهبي للفخار والخزف في العهد الفاطمي

تميّز العصر الفاطمي بقفزة نوعية في فنون الخزف، حيث استخدمت الألوان الزاهية وتقنيات الحفر والتذهيب، إلى جانب التأثيرات الفارسية والمغولية التي امتزجت بالطابع السوري الأصيل. ولعل أكثر ما ميز هذه الفترة هو ظهور الخزف القيشاني والخزف الدمشقي، اللذان حافظا على حضورهما حتى يومنا هذا. أصبحت هذه المنتجات تحفًا تزيينية وأدوات منزلية راقية، وتم تصديرها إلى العديد من الدول، مما جعل سوريا في تلك المرحلة مركزًا صناعيًا وثقافيًا رئيسيًا في منطقة الشرق الأوسط.

أنواع الخزف السوري: القيشاني والدمشقي وتنوعه الجغرافي

تُعتبر أنواع الخزف السوري تجسيدًا للتنوع الثقافي والجغرافي في البلاد، حيث يمتاز كل نوع بطابعه الفني المميز. الخزف القيشاني، الذي اشتُهر به حي القيمرية في دمشق القديمة، يتميز برسوماته الهندسية والنباتية المعقدة، وألوانه الزرقاء والخضراء التي تطغى على تصميماته. يُستخدم القيشاني عادة في زخرفة الجدران الداخلية للمساجد والقصور، ويُعدّ عنصرًا مهمًا في العمارة الدمشقية.

في المقابل، يُعرف الخزف الدمشقي بجمال نقوشه التصويرية التي تعكس مظاهر الحياة اليومية، والطبيعة السورية، والعادات الاجتماعية. يُصنَع هذا النوع يدويًا باستخدام طين محلي ناعم يُشكّل بعجلة الفخار، ثم يُحرق ويُطلى بألوان متعددة. هناك أيضًا أنماط محلية أخرى من الفخار انتشرت في مناطق حلب، إدلب، ودير الزور، حيث استخدم السكان المحليون خامات بيئية لصناعة أوانٍ مخصصة لحفظ الطعام والماء، بالإضافة إلى أدوات للطقوس الدينية.

المواد الخام والتقنيات التقليدية: من الطين إلى الزينة

تبدأ صناعة الفخار من المادة الأساسية وهي الطين، الذي يُستخرج من مناطق محددة مثل غوطة دمشق وسهل الغاب، حيث يتمتع هذا الطين بخصائص مثالية للتشكيل. تختلف أنواع الطين المستخدم باختلاف نسبة الأكاسيد المعدنية فيه، مما يحدد لون وجودة المنتج النهائي. يُضاف إلى الطين الماء بنسبة معينة لتكوين معجون يُمكن تشكيله.

تتعدد تقنيات التشكيل، أبرزها العجلة اليدوية والتشكيل اليدوي الحر. بعد الانتهاء من التشكيل، تُترك القطع لتجف، ثم تُحرق في أفران تقليدية تصل حرارتها إلى أكثر من 800 درجة مئوية. يُمكن بعد ذلك طلاء القطع بطبقة من الزجاج السائل (التزجيج)، الذي يُضفي لمعانًا وحماية للسطح الخارجي. تستغرق هذه العمليات وقتًا وجهدًا، ما يعكس مدى الإتقان الذي تتطلبه كل قطعة فخارية.

تطور الأفران والتقنيات في العصر الحديث

شهدت العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا في أدوات وتقنيات صناعة الفخار، حيث بدأت الأفران الكهربائية تُستخدم بدلاً من الأفران الترابية التقليدية. هذا التحول أتاح للحرفيين تحكمًا أدق في درجة الحرارة، وبالتالي تقليل نسبة العيوب الناتجة عن الحرق. كما أُدخلت أساليب زخرفية حديثة، منها الطباعة الرقمية والرش اللوني، دون أن يُفقد ذلك القطعة طابعها التقليدي.

رغم هذا التطور، لا يزال الكثير من الحرفيين يفضلون استخدام الأساليب اليدوية حفاظًا على الأصالة، خصوصًا أن السوق العالمي بات يُقدّر المنتجات اليدوية التقليدية التي تعكس روح المكان وصوت الماضي.

الفخار كعنصر ثقافي ومجتمعي في سوريا

لا يمكن فهم صناعة الفخار في سوريا دون التطرق إلى بعدها الثقافي والاجتماعي. فقد ارتبطت هذه الحرفة بمناسبات وطقوس اجتماعية، مثل الأعراس والمواسم الزراعية. كما أن النساء في بعض القرى السورية كن يقمن بصنع الأواني البسيطة لاستخدامها في المنازل، ما أضفى طابعًا عائليًا على الحرفة. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الصناعة وسيلة للتعبير الفني، حيث زُيّنت العديد من القطع برسومات تدل على الفلكلور المحلي والحكايات الشعبية.

التحديات المعاصرة: النزاع وتأثيره على الحرف التقليدية

عانت صناعة الفخار والخزف في سوريا كثيرًا خلال السنوات الماضية بسبب الأزمة المستمرة، حيث أدى النزوح والدمار إلى تراجع عدد الورش العاملة، وتدمير البنية التحتية للصناعات الحرفية. كما تراجعت القدرة على الوصول إلى المواد الخام والأفران، بالإضافة إلى ضعف التسويق الداخلي والخارجي، ما أدى إلى تدهور في المستوى الإنتاجي.

غير أن هذه التحديات لم توقف جهود الحرفيين والمنظمات الثقافية التي بدأت ببرامج دعم لإعادة إحياء الحرف التقليدية، عبر التدريب المهني وفتح الأسواق الإلكترونية، ما ساهم جزئيًا في استعادة الأمل باستمرار هذه الحرفة.

فرص المستقبل: بين الحفاظ على التراث وتحديث الإنتاج

تشكل صناعة الفخار في سوريا اليوم فرصة لإعادة البناء الثقافي والاقتصادي. فإحياء هذه الحرفة لا يسهم فقط في حماية التراث، بل يفتح آفاقًا جديدة للرزق وتحفيز السياحة الثقافية. يمكن استثمار القدرات الفنية الكبيرة لدى الحرفيين السوريين من خلال دعم مؤسساتي فعّال، وتطوير برامج تعليمية في معاهد الفنون الجميلة، وتشجيع التعاون مع الأسواق العالمية المهتمة بالمنتجات التراثية.

ختامًا، تظل صناعة الفخار والخزف في سوريا واحدة من أصدق تعبيرات الهوية الحضارية التي صمدت رغم كل الظروف. إنها ليست مجرد مهنة، بل سردية حضارية تروي قصة وطن عبر الطين والنار، الحرفة والإبداع، التراث والتجدد.

- Advertisement -

- Advertisement -