حلب/ خالد الحسين
في شوارع حلب العتيقة وأسواقها الشعبية، ما تزال مهنة القصابين تُمارس بإصرار رغم التحديات اليومية التي تعصف بها، مهنة توارثها الآباء عن الأجداد، تحمل في طياتها الكثير من المتاعب ولكن تجد عزيمة وإصرار متواصل في سبيل تأمين لقمة العيش.
في حي الشعار، أحد الأحياء الشعبية في المدينة، يقف الحاج أبو صبحي قصاب منذ أكثر من عشرين سنة، خلف منضدة خشبية تآكلت أطرافها من كثرة الاستعمال، ليشرح لنا كيف أصبحت المهنة اليوم أشبه بمعركة يومية ضد الانقطاع والغلاء.
يقول أبو صبحي في حديثه “للسوري” منذ عشرين سنة وأنا أقف في هذا المحل، رأيت الحرب وتبعاتها، لكن أصعب ما نمر به اليوم هو الوضع المعيشي. الناس ما عاد معها تشتري لحم مثل قبل، الشغلة مو بس غلا، في ناس عم تشتري كل يوم، وفي ناس صارت تشتري كل أسبوعين، بس بربع كيلو لحم. ما عاد في دخل، وما عاد في قدرة على الشراء”.
في سوق اللحوم، لم تعد الروائح وحدها تعبّر عن جودة المنتج، بل دخلت عوامل جديدة تؤثر مباشرة في صلاحية اللحم، أهمها انقطاع الكهرباء لساعات طويلة خلال اليوم، مما يُفقد الثلاجات قدرتها على حفظ اللحوم طازجة.
تحدث لنا قصاب آخر، يُدعى حسام يعمل في سوق باب جنين وهو مستمر في المهنة منذ أكثر من عشر سنوات، قائلاً: “نحن مشكلتنا مو بس مع الزبون، مشكلتنا صارت مع كل شي. الكهرباء بتقطع 10 ساعات أحياناً، وفي أيام بتنقطع 14 ساعة. كيف بدك تحفظ اللحمة؟ لازم نشتري مولدة، بس المازوت غالي، وحتى لما نشتري المولدة، صوتها مزعج والحارة كلها بتشتكي”.
يتابع حسام حديثه: “في أيام كثيرة بتخاف اللحمة تبرد وتتعفن، والناس بتلومك، ما حدا بيعذر. بتحاول تغطي اللحوم، ترش موي باردة، تجيب قوالب ثلج، بس هالحلول ما بتكفي. وكلها مكلفة، وبتنقص من الربح القليل اللي بيضل معنا”.
ولا تقتصر المعاناة على انقطاع الكهرباء فقط، بل إن شح المياه وانقطاعها المتكرر يزيد الطين بلّة، خاصة أن النظافة عنصر أساسي في عمل القصابين، فبدون مياه كافية، يصعب تنظيف المحل والأدوات المستخدمة بشكل مستمر، ما يجعل الخطر الصحي حاضراً دائماً القصابون يضطرون أحياناً إلى شراء المياه من الصهاريج، وهو ما يزيد التكاليف دون أن يستطيعوا رفع أسعارهم بما يتناسب مع هذه الأعباء، خوفاً من فقدان زبائنهم القلائل.
ويشير أبو صبحي إلى تحدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو ارتفاع أسعار المواشي والأعلاف، قائلًا: “سعر الخاروف صار شي لا يصدق، والمربي كمان عم يعاني، فكيف نحنا؟ لما تجيب الخاروف بسعر غالي، بدك تبيع اللحم أغلى، بس الناس ما معها، وبتفكر إنك عم تنصب عليها، وما حدا بيسأل شو صار بالسلسلة من أولها لآخرها”.
المهنة التي كانت يوماً ما مصدر رزق ثابت ومحترم أصبحت اليوم عبئاً كبيراً على أصحابها، يُصارعون يومياً للحفاظ على رزقهم وسمعتهم ونظافة محالهم وجودة لحومهم. في ظل غياب الحلول الحكومية الجذرية، ما يزال القصابون في حلب صامدين بأدوات بسيطة وإرادة لا تلين، يواجهون أزمات البلاد وهموم الناس، ويقفون في محالهم مستمرين في العمل على أمل أن تتحسن الظروف في المستقبل.