في تطور سياسي يعد من أبرز التحولات في مسار العلاقات السورية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن دمشق تعمل على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة عدد من الدول، معتبراً أن نجاح هذا المسار قد يمهد الطريق نحو سلام شامل، مع التأكيد على أن ذلك لن يكون على حساب حق سوريا في هضبة الجولان المحتلة.
وجاءت تصريحات الشرع خلال مقابلة تلفزيونية، أوضح فيها أن الحكومة السورية تسعى إلى تجنب أي مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، وأنها تفضل معالجة الملفات الأمنية عبر ترتيبات إقليمية ودولية تسهم في تخفيف التوتر على الحدود الجنوبية، في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
مقاربة جديدة للأمن الإقليمي
تعكس تصريحات الرئيس السوري تحولاً في الخطاب الرسمي، إذ تربط دمشق بين التوصل إلى تفاهمات أمنية وبين إمكانية الانتقال لاحقاً إلى مسار سياسي أوسع، دون التخلي عن المطالب السورية المتعلقة بالجولان المحتل.
وبحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، فإن دمشق ترغب في إشراك عدة دول في هذا الاتفاق، بما يسمح بوجود ضمانات وضغوط دولية تدفع نحو التزام جميع الأطراف بأي تفاهمات يتم التوصل إليها، بما يحد من احتمالات التصعيد العسكري مستقبلاً.
لماذا الآن؟
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة صياغة لتحالفاتها الأمنية والسياسية، عقب أشهر من الاتصالات غير المعلنة بين أطراف إقليمية ودولية، إلى جانب تحركات دبلوماسية شهدتها دمشق، كان أبرزها زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والتي عكست اتساع الحراك الدولي تجاه الملف السوري وإعادة دمج دمشق تدريجياً في المشهد الدبلوماسي الإقليمي.
كما تتزامن مع استمرار التوتر على الحدود السورية الإسرائيلية، حيث شهدت الأشهر الماضية غارات إسرائيلية متكررة وتحركات عسكرية في مناطق جنوب سوريا، ما يجعل أي تفاهم أمني محتملاً مرتبطاً بملفات ميدانية معقدة، تشمل آليات ضبط الحدود ومنع الاحتكاك العسكري.
الجولان… الخط الأحمر
ورغم حديثه عن إمكانية الوصول إلى سلام شامل، شدد الشرع على أن أي اتفاق لن يتضمن التخلي عن حق سوريا في هضبة الجولان المحتلة، في محاولة للتأكيد أن الانفتاح السياسي لا يعني تغيير الموقف السوري من القضية التي تعد من ثوابت السياسة السورية منذ عقود.
ويرى مراقبون أن هذا التأكيد يهدف إلى الفصل بين الترتيبات الأمنية المؤقتة وبين التسوية السياسية النهائية للنزاع، بحيث يبقى ملف الجولان خاضعاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
تحديات أمام الاتفاق
ورغم الحديث عن تقدم في الاتصالات، فإن الطريق نحو اتفاق فعلي لا يزال محفوفاً بعقبات سياسية وأمنية، أبرزها:
استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق داخل الأراضي السورية.
الخلاف حول مستقبل المنطقة العازلة وترتيبات الحدود.
الضمانات الدولية المطلوبة لتنفيذ أي تفاهم.
حساسية ملف الجولان بالنسبة للطرفين.
التوازنات الإقليمية وتأثيرها على أي اتفاق محتمل.
انعكاسات محتملة
في حال نجحت الجهود الحالية، فقد يشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة من خفض التصعيد بين سوريا وإسرائيل، ويسهم في تعزيز الاستقرار جنوب البلاد، ويفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وأمنية أوسع في المنطقة.
إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الوسطاء الدوليين على توفير ضمانات متبادلة، وبمدى استعداد الطرفين للانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التفاهمات الأمنية، دون تجاوز القضايا السيادية العالقة وفي مقدمتها هضبة الجولان.
وبالتالي فأن تصريحات الشرع تمثل مؤشراً على تحول في أسلوب إدارة دمشق لملف علاقتها مع إسرائيل، من خلال التركيز على اتفاقات أمنية مدعومة دولياً بهدف منع التصعيد وتهيئة الظروف لاستقرار طويل الأمد. وبينما يبقى ملف الجولان خارج أي تنازل معلن، فإن الأسابيع المقبلة قد تكشف ما إذا كانت هذه التصريحات ستترجم إلى خطوات عملية، أم ستظل في إطار الرسائل السياسية المرتبطة بالمتغيرات الإقليمية.