لكل السوريين

الأرامل في القنيطرة.. معاناة يومية بين العمل والمخاطر

القنيطرة/ رجاء مختار

بينما كانت تسير فدوة وهي أرملة ثلاثينية في صباحٍ باكر، باتجاه أراضيها الزراعية في ريف القنيطرة. تحمل سلة خضار صغيرة لتبيعها في السوق المحلي، وتحاول في الوقت نفسه توفير مستلزمات أولادها الأربعة.

منذ وفاة زوجها في سنوات النزاع، أصبحت فدوى المعيلة الوحيدة لعائلتها، وتُضطر للعمل بالمياومة في الحقول والبساتين لتأمين لقمة العيش.

غير أن هذه الحياة اليومية، التي كانت صعبة أصلاً، أصبحت أكثر خطورة بعد التوغلات الإسرائيلية المتكررة في المنطقة، وتهديدات القوات العسكرية التي تحد من حرية الحركة وتعرّض المدنيين للخطر.

قصة أخرى، لسلمى، أرملة تبلغ من العمر 45 عامًا، تحكي عن يومها في السوق: “أغادر منزلي عند الفجر وأعود عند الغروب، أحيانًا لا أستطيع بيع كل شيء بسبب الحواجز العسكرية المفاجئة، أو لأن الطرقات مغلقة بعد توغّل للقوات الإسرائيلية”.

سلمى تعتمد على المياومة في جمع الزيتون وبيع المنتجات الزراعية، لكنها باتت تشعر أن حياتها اليومية أصبحت رهينة للتوترات الأمنية، وأن عملها ليس مجرد مصدر رزق، بل اختباراً لصبرها وقدرتها على الصمود.

تواجه النساء الأرامل في القنيطرة تحديات مزدوجة، تجمع بين الحاجة الماسة للعمل اليومي وإعالة الأسرة، وبين المخاطر الأمنية التي تهدد حياتهن وحياة أطفالهن.

وتشمل التوغلات الإسرائيلية تدمير الممتلكات، حواجز غير معلنة، منع الوصول إلى الأراضي الزراعية، وحتى الاعتداءات المباشرة على المزارعين.

في حزيران 2025، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تدمير حوالي 15 منزلاً في قرية الحميدية نتيجة لتوغلات القوات الإسرائيلية، ما ترك عشرات الأسر دون مأوى، وزاد من معاناة النساء اللواتي يعتمدن على العمل في الحقول لتأمين مستلزمات العيش.

نور، أرملة شابة تعمل في قطاف الزيتون، تروي تجربتها: “في يوم ما، اقتحمت القوات الإسرائيلية المنطقة بالقرب من أرضي. اضطررت للهرب وترك الأدوات خلفي. شعرت بالعجز والخوف على أولادي”. هذا المثال يعكس واقع عشرات النساء الأرامل في القنيطرة، اللاتي يجدن صعوبة في الوصول إلى عملهن بسبب هذه التوغلات، بينما تتفاقم المسؤوليات المنزلية والأسرية، ويصبح تأمين لقمة العيش تحدياً يومياً.

عمل النساء الأرامل بالمياومة في القنيطرة لا يقتصر على الحقول فحسب، بل يشمل خدمات مساعدة في السوق، جمع المحاصيل، وتنظيف المنازل أو المزارع الأخرى. غالبية هؤلاء النساء يعانين من غياب أي حماية قانونية أو دعم حكومي، ويواجهن التهديدات اليومية دون أي شبكة أمان.

تأثير هذا الوضع على الأطفال واضح: فالأرامل غالباً ما يُجبرن على اصطحاب أطفالهن إلى مواقع العمل أو تركهم في المنزل تحت ظروف صعبة. هذا الواقع يضاعف الضغوط النفسية والاجتماعية على النساء، ويزيد من الشعور بالعزلة والتوتر المستمر.

سعاد، أرملة في الخمسين من عمرها، تعمل بجمع الأعشاب البرية وبيعها في السوق المحلي. تقول: “لم يعد العمل مجرد مصدر دخل، بل أصبح مغامرة يومية. علينا التعامل مع المخاطر الأمنية والتقلبات في أسعار المنتجات الزراعية. أحياناً أشعر أنني لا أملك خيارات أخرى”.

إلى جانب المخاطر المباشرة، تؤدي التوغلات الإسرائيلية وتعطيل الحياة اليومية إلى أزمة اقتصادية محلية. المزارعون غير قادرين على زراعة أو حصاد محاصيلهم في الوقت المناسب، والأسواق المحلية تتأثر بنقص المنتجات، ما يزيد الأعباء المالية على الأرامل اللواتي يعتمدن على هذه الأسواق لتأمين دخل أسرهن.

التأثير النفسي والاجتماعي لهذه الظروف كبير. النساء الأرامل يعانين من القلق المستمر على سلامة أنفسهن وأطفالهن، ويواجهن صعوبات في التوازن بين العمل والحياة الأسرية. معظمهن يُجبرن على تحمل مسؤوليات إضافية، من التعليم المنزلي للأطفال إلى إدارة الموارد القليلة المتاحة.

على الرغم من هذه التحديات، تظهر النساء قوة استثنائية وقدرة على الصمود. فدوى ونور وسعاد أمثلة حية على نساء يحاولن تجاوز العقبات اليومية، ويستخدمن عملهن في المياومة كوسيلة للحفاظ على كرامتهن واستقرار أسرهن. قصصهن توضح كيف تتحول المعاناة إلى صمود، وكيف يصبح العمل بالمياومة أداة للبقاء على قيد الحياة في ظل تهديد مستمر للأمن والاستقرار.

توفير دعم إنساني عاجل لهؤلاء النساء أصبح ضرورة ملحة. يشمل هذا الدعم تقديم المساعدات المالية والغذائية، حماية الأرامل والمزارعين من التوغلات العسكرية، وضمان وصولهن إلى الأراضي الزراعية والأسواق، بالإضافة إلى تسهيل الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية للأطفال.

تعكس حياة النساء الأرامل في القنيطرة تحديات مزدوجة: الحاجة الماسة للعمل لإعالة الأسرة، والمخاطر الأمنية الناتجة عن التوغلات الإسرائيلية وتعطيل الحياة اليومية. قصص فدوى، سلمى، نور، وسعاد تُبرز الواقع الإنساني لهذه الفئة، وتظهر مدى تأثير النزاعات العسكرية على حياة المدنيين الأكثر ضعفًا. الدعم الدولي والمحلي، بالإضافة إلى سياسات حماية فعالة، يمثلان السبيل الوحيد لتخفيف معاناتهن وضمان حقهن في العيش الكريم والسلامة الشخصية.

- Advertisement -

- Advertisement -