لكل السوريين

أزمة الكهرباء في اللاذقية… بين الوعود الحكومية وعبء الأمبيرات وغياب الحلول الفعلية

اللاذقية/ سلاف العلي

تعيش محافظة اللاذقية حالة من الجدل المتصاعد بين وعود الحكومة بتحسين قطاع الكهرباء، وبين معاناة المواطنين المتفاقمة ومخاوفهم من المستقبل، فالتوجه نحو تأسيس شركات قابضة كبرى لإدارة الكهرباء يثير تساؤلات حساسة تتعلق بالسيادة الوطنية وضمان العدالة الاجتماعية في قطاع يعد من أهم الخدمات الأساسية التي تمس حياة كل مواطن.

ويخشى مراقبون أن تتحول الشركات القابضة، في حال دخول رأس مال خاص إليها أو منحها امتيازات واسعة بلا رقابة صارمة، إلى قوة تتحكم في القرار الاقتصادي بعيداً عن سلطة الحكومة، مما قد يؤدي إلى تحويل قرارات التسعير إلى اعتبارات ربحية بحتة، على حساب المستهلكين، وخاصة ذوي الدخل المحدود، كما أن الحكومة قد تفقد قدرتها الكاملة على التدخل السريع في الأزمات، إذ يمكن أن تقيد العقود الموقعة مع المستثمرين الأجانب أو التزاماتهم مساحة الحركة الحكومية.

ويحذر خبراء من أن ملكية أو إدارة البنية التحتية للطاقة من قبل جهات غير حكومية قد تهدد حق الفقراء في الحصول على الكهرباء الرخيصة، والتي تحتاج إلى دعم مالي دائم من الخزينة العامة أو من فوائض الشرائح الأعلى استهلاكاً. ويؤكدون أن المخاوف ليست نظرية، إذ شهدت عدة دول تحولات مشابهة انتهت بفقدان السيطرة على التسعير والخدمات، ما جعل الكهرباء تتحول من حق عام إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق، وهو ما يهدد الفقراء بشكل مباشر.

وعلى الرغم من الطموح الحكومي لتحسين واقع الكهرباء في الساحل السوري عبر رفع ساعات التزويد وتطوير البنية الإدارية والفنية، إلا أن الطريق لتحقيق ذلك – بحسب مواطنين وخبراء – يجب أن يمر عبر حماية السيادة الوطنية وضمان العدالة الاجتماعية، حتى لا يكون الفقراء أول ضحايا هذا التحول.

في المقابل، تتواصل معاناة السكان اليومية مع الاعتماد القسري على الأمبيرات، التي باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل العائلات، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الاشتراك دون رقابة حقيقية. ورغم أن محافظة اللاذقية كانت من بين المناطق التي طبقت فيها سياسة الأمبيرات بشكل منظم نسبياً في السابق، إلا أن معاناة المواطنين اليوم لا تقل عن باقي المحافظات، حيث باتوا يعيشون في ظل أزمة كهرباء خانقة، وسط غياب جدول تقنين واضح وساعات تغذية غير منتظمة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية.

وكانت الأمبيرات في السابق تخضع لتنظيم نسبي، حيث تم توحيد ساعات التشغيل وتثبيت الأجور نسبياً بفضل احتكار السوق من قبل شركة واحدة وعدد محدود من المتعهدين، لكن هذا التنظيم انهار بعد سقوط النظام السابق، لتتولى مديرية الكهرباء الإشراف المباشر على معظم الأمبيرات. ورغم أن هذا الإجراء أوحى للشارع بأن الخدمة ستصبح أكثر عدلاً وأقل تكلفة، إلا أن الواقع جاء مغايراً، إذ بقيت أسعار الأمبيرات مرتفعة، وأحياناً تماثل أو تتجاوز الأسعار السابقة، دون أن يكون هناك دعم حكومي فعلي.

وزاد من حدة الأزمة قرار الحكومة رفع الدعم عن مادة المازوت المخصصة لتشغيل المولدات، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف التشغيل. كما فرضت السلطات رسوماً مرتفعة على تراخيص تشغيل المولدات، حيث بات يُطلب من صاحب المولدة دفع ما بين 900 ألف إلى مليون ليرة لكل متر مربع من المساحة التي تشغلها المولدة، ولمدة ثلاثة أشهر فقط. يضاف إلى ذلك تكاليف الصيانة الشهرية التي تتراوح بين مليون إلى ثلاثة ملايين ليرة، ما يرفع الأعباء التشغيلية بشكل كبير.

وانعكست هذه التكاليف مباشرة على المشتركين، حيث وصل سعر الاشتراك الأسبوعي إلى ما بين 100 ألف و115 ألف ليرة، وهو مبلغ يعجز الكثيرون عن تحمله في ظل البطالة وغلاء المعيشة. وأدى ذلك إلى تخلي نسبة كبيرة من السكان عن اشتراكاتهم رغم حاجتهم للكهرباء، ما تسبب بانخفاض عدد المشتركين إلى النصف في بعض الأحياء. ومع تراجع الإيرادات، لجأ أصحاب المولدات إلى رفع الأسعار مجدداً مبررين ذلك بارتفاع التكاليف، فيما يتوقع المواطنون أن ترتفع الأسعار أكثر في ظل غياب الدعم والحلول المستدامة.

ومع استمرار الوضع على ما هو عليه، يشعر السكان أنهم مجبرون على الخضوع لسياسة الأمر الواقع، إذ لا يجدون بديلاً عن الاشتراك في الأمبيرات رغم كلفتها المرتفعة، خاصة في ظل تغذية كهربائية رسمية لا تتجاوز أربع ساعات يومياً، موزعة على فترات متقطعة تصل إلى ست ساعات قطع مقابل ساعة واحدة من التغذية. ويطالب المواطنون باتخاذ خطوات فعلية لتحسين الواقع الكهربائي، وتخفيف عبء الأمبيرات عن كاهلهم، بعد أن سئموا من الوعود التي لم تتحقق.

- Advertisement -

- Advertisement -