لكل السوريين

ريف دمشق يُصر على التعليم… عودة آلاف الطلاب إلى المدارس رغم الدمار ونقص الدعم

ريف دمشق/ مرجانة إسماعيل

في ريف دمشق، حيث تتناثر القرى والبلدات بين التلال والسهول، يواجه الأهالي تحدياً يومياً لإعادة أبنائهم إلى المدارس بعد سنوات طويلة من النزوح والدمار، المدارس التي كانت يوماً أماكن للعلم والفرح أصبحت اليوم مبانٍ متهالكة، نصفها مدمّر، والمقاعد والكراسي غير كافية، والكتب المدرسية نادرة، حتى القرطاسية الأساسية غائبة في أغلب الصفوف.

في بلدة “دير الشرقي”، يقف الطالب إبراهيم ديب في ساحة المدرسة الثانوية، محاطاً بزملائه الذين يلتفون حول فصول متصدعة وجدران مشققة. يقول إبراهيم: “لقد قضيت سنوات في المخيم، ودرست على أرض غير ثابتة، وها نحن نعود للمدرسة هنا رغم كل شيء. الجدران قد تنهار، والمقاعد متهالكة، لكن التعلم أهم من كل شيء.” إبراهيم، الذي عاش تجربة النزوح مع أسرته، يصر على مواصلة الدراسة رغم الخوف والقلق، لأنه يرى في التعليم الطريق الوحيد للخروج من دائرة الفقر والدمار.

في حي “الحجر الأسود”، الأم سلمى شحادة تحاول تهيئة أطفالها للعام الدراسي الجديد رغم كل العقبات. تقول سلمى: “أطفالنا استيقظوا مبكراً، يرتدون ملابسهم البالية ويحملون حقائبهم، وأنا أتابعهم بقلب مليء بالقلق. المدرسة مدمرة جزئياً، لكننا لا نستطيع أن نتركهم دون تعليم.” قامت سلمى بشراء دفاتر وأقلام من مالها المحدود، وساعدت في ترتيب الصفوف وترميم المقاعد المكسورة بيدها، لتوفر بيئة مناسبة ولو جزئياً لأطفالها وأطفال الجيران.

في بلدة “الزاهرة”، تُظهِر المعلمة منال سامر التحديات التي تواجهها يومياً. المدرسة التي تعمل بها تعرضت لأضرار كبيرة، وأغلب الفصول ضيقة ومكتظة بالطلاب، ما دفع الإدارة لاعتماد نظام الفترتين. تقول منال: “نعلم أن الوضع صعب على الطلاب، لكنهم يصرون على الحضور. نحاول تعويض النقص في الكتب واللوازم بمواد تعليمية بسيطة نصنعها بأنفسنا. أحيانًا أجد نفسي أشرح الدرس على الأرض لأن المقاعد غير كافية، لكن الطلاب يركزون ويستمعون، وهذا يعطيني دافعاً للاستمرار”.

ليلى عبد الرحمن، أرملة وأم لطفلين في بلدة “الريحانية”، ترى في هذه الدورات اليومية وسيلة لتوفير دخل إضافي، لكنها أيضاً فرصة لإعادة بناء الروتين الأسري المفقود. تقول: “قبل أن تبدأ المدرسة، كنت أشعر بالعجز. كنت أشتري كل شيء جاهزاً للأطفال، وكانت التكاليف ضخمة. الآن أشارك في تجهيز المدرسة، وأساعدهم في تحضير المستلزمات، وأحياناً أصنع مع بعض الأمهات مواد تعليمية بسيطة. أشعر بأنني أساهم في مستقبلهم بشكل مباشر”.

الطالب عمر خليل في “دير العصافير” يواجه تحدياً آخر، حيث المدرسة ضيقة جداً ويجلس أكثر من 40 طالباً في صف واحد. يقول عمر: “نحاول التركيز رغم الضوضاء والازدحام. لكننا مصممون على التعلم، لأن العلم هو الوسيلة الوحيدة للخروج من هذا الواقع الصعب.” ويضيف أن المعلمين يبذلون جهوداً استثنائية لتغطية المناهج، ويشعر الطلاب بالامتنان لهذا التفاني الذي يجعلهم يواصلون الدراسة رغم كل الصعوبات.

الأهالي أيضاً يعملون بروح التضامن لتخفيف العبء على المدارس. في معظم القرى، يقوم بعض الأهالي بشراء الكتب والدفاتر، ويقدم آخرون مساهمات صغيرة لإصلاح المقاعد أو إعادة ترميم الصفوف. يقول خالد صبري، أحد الأهالي: “نحن ندرك أن الدعم الحكومي محدود، لكننا لا نستطيع أن نترك أطفالنا بلا تعليم. أي مساهمة حتى لو صغيرة تعطي الأطفال شعوراً بالأمان وتمنحهم الأمل”.

وبحسب وزارة التربية، هناك نحو 800 مدرسة خارج الخدمة في مناطق الريف السوري نتيجة القصف والدمار، مما يجعل المدارس المتبقية تتحمل أعداداً كبيرة من الطلاب، كما تضطر بعض المدارس إلى اعتماد نظام الفترتين أو مشاركة أكثر من مؤسسة تعليمية في مبنى واحد. هذه الضغوط تؤثر على الطلاب والمعلمين على حد سواء، لكن الإرادة الجماعية للمجتمع، والتصميم على التعلم، يجعل من العودة إلى المدارس خطوة أساسية نحو إعادة بناء الحياة، حتى في ظل أقسى الظروف.

تُظهر قصص الأهالي والطلاب والمعلمين في ريف دمشق قدرة المجتمع على التكيف والإبداع في مواجهة التحديات، والسعي المستمر لضمان حق كل طفل في التعليم. فبين جدران نصفها مدمّر ومقاعد غير كافية وغياب الدعم الكافي، يصر الأطفال على التعلم، ويعمل المعلمون بلا كلل، ويسعى الأهالي لتأمين كل ما يمكن، لتظل المدارس منارات أمل وسط خراب الحرب، ومكاناً لإعادة بناء المستقبل من جديد.

- Advertisement -

- Advertisement -