السوري ـ دمشق
في قلب الأسواق الشعبية بالعاصمة دمشق، حيث يفترض أن تكون الحركة التجارية رمزاً للحياة اليومية، تعيش كثير من الفتيات والسيدات تجربة مختلفة تماماً، تتسم بالخوف والتوتر، في ظل تزايد حوادث التحرش والمضايقات في الأماكن العامة.
ظاهرة لم تعد فردية أو معزولة، بل باتت، بحسب شهادات متقاطعة، سلوكاً متكرراً في أسواق مزدحمة مثل سوق الحميدية، وسوق البزورية، وسوق مدحت باشا، حيث يوفر الازدحام غطاءً للمتحرشين ويصعّب محاسبتهم.
شهادات: “الخروج أصبح عبئاً”
تروي طالبة جامعية تجربتها قائلة:
“أفكر كثيراً قبل أن أذهب إلى السوق، ليس بسبب الزحام فقط، بل بسبب التعليقات والمضايقات التي قد أتعرض لها. أحياناً أعود دون شراء شيء فقط لأني لم أشعر بالأمان”.
وتضيف: “حتى عندما أحاول ارتداء ملابس عادية وغير لافتة، لا يتغير شيء. المشكلة ليست فينا”.
في سياق متصل، تقول أم لثلاث بنات:
“لم أعد أرتاح لإرسال بناتي بمفردهن، حتى في وضح النهار. الخوف أصبح جزءاً من حياتنا اليومية”.
هذه الشهادات تعكس واقعاً يتجاوز الإزعاج العابر، ليصل إلى تأثير مباشر على حرية الحركة والراحة النفسية للنساء.
أنماط متعددة… من اللفظي إلى الجسدي
تشير روايات الفتيات إلى أن التحرش يأخذ أشكالاً مختلفة، تبدأ من:
تعليقات لفظية غير لائقة
نظرات وملاحقة في الأزقة الضيقة
وصولاً في بعض الحالات إلى احتكاك جسدي غير مرغوب فيه
ويؤكد عدد منهن أن صعوبة تحديد هوية المتحرشين وسط الزحام تجعل المواجهة أو الشكوى أمراً معقداً.
مشكلة أعمق: ثقافة تبرير وصمت
يرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن الظاهرة لا ترتبط فقط بالسلوك الفردي، بل بثقافة مجتمعية تحتاج إلى مراجعة.
يقول أحد الباحثين الاجتماعيين:
“ما يفاقم المشكلة هو ميل البعض إلى لوم الضحية، سواء بسبب لباسها أو توقيت خروجها، وهو ما يمنح المتحرشين شعوراً بالإفلات من العقاب”.
كما أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع كثيراً من الفتيات إلى الصمت، حتى في الحالات التي تتجاوز المضايقة إلى الاعتداء.
وتوضح ناشطة في مجال حقوق المرأة:
“الصمت ليس قبولاً، بل نتيجة خوف وضغط اجتماعي. كثير من الفتيات يفضلن تجاهل الحادثة على الدخول في دوامة من الأسئلة والاتهامات”.
قوانين موجودة… وتطبيق محدود
رغم وجود نصوص قانونية تجرّم التحرش، إلا أن التطبيق العملي يواجه تحديات عديدة، أبرزها:
صعوبة إثبات الحادثة
غياب آليات واضحة وسهلة للإبلاغ
بطء الإجراءات القانونية
إضافة إلى ذلك، تتردد بعض الضحايا في التوجه إلى الجهات الأمنية، خوفاً من التعقيدات أو من ردود الفعل الاجتماعية.
مبادرات خجولة ومحاولات محدودة
في مواجهة هذه الظاهرة، ظهرت بعض المبادرات المجتمعية، مثل:
حملات توعية في المدارس والجامعات
مجموعات تطوعية لدعم الفتيات في الأماكن العامة
لافتات داخل بعض المحال ترفض التحرش
إلا أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة التأثير في ظل غياب خطة شاملة تعالج جذور المشكلة.
انعكاسات تتجاوز الفرد
لا يقتصر تأثير التحرش على الضحايا فقط، بل يمتد ليؤثر على المجتمع ككل، من خلال:
تقليص حرية النساء في التنقل
زيادة التوتر والخوف في الأماكن العامة
تراجع الإحساس بالأمان المجتمعي
وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام أي بيئة تسعى للاستقرار والتنمية.
نحو مواجهة حقيقية
يرى مختصون أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب خطوات متكاملة، تشمل:
تفعيل القوانين وتشديد العقوبات
تسهيل آليات الإبلاغ وحماية الضحايا
إطلاق حملات توعية تركز على مسؤولية المعتدي لا الضحية
تعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في تغيير المفاهيم السائدة
كما يبرز مقترح بزيادة وجود دوريات أو عناصر مختصة في الأماكن المزدحمة، لتشكل رادعاً فورياً لأي سلوك مسيء.
بين زحام الأسواق وصمت الضحايا، تتفاقم ظاهرة التحرش في دمشق لتتحول من حوادث فردية إلى قضية تمس الأمان المجتمعي بشكل مباشر.
ويبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من الاعتراف بالمشكلة إلى مواجهتها بجدية، عبر منظومة متكاملة تحمي حق النساء في التنقل بحرية وكرامة، وتعيد للأسواق دورها الطبيعي كمساحات آمنة للجميع.